المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢١٥ - مغازيه و سراياه و بعوثه- صلى اللّه عليه و سلم
«أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع» ثم خرج من باب العريش و هو يتلو سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ [١] [٢].
فإن قلت: كيف جعل أبو بكر يأمره- عليه الصلاة و السلام- بالكف عن الاجتهاد فى الدعاء و يقوى رجاءه و يثبته، و مقام الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- هو المقام الأحمد، و يقينه فوق يقين كل أحد؟
أجاب السهيلى نقلا عن شيخه: بأن الصديق فى تلك الساعة كان فى مقام الرجاء، و النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى مقام الخوف، لأن للّه تعالى أن يفعل ما يشاء، فخاف أن لا يعبد اللّه فى الأرض، فخوفه ذلك عبادة. انتهى.
و قال الخطابى: لا يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- فى تلك الحالة، بل الحامل للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- على ذلك شفقته على أصحابه و تقوية قلوبهم، فبالغ فى التوجه و الدعاء و الابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال، كف عن ذلك و علم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر فى نفسه من القوة و الطمأنينة، فلهذا عقبه بقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ [٣].
و قال غيره: و كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى تلك الحالة فى مقام الخوف، و هو أكمل حالات الصلاة، و جاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، و إنما كان مجملا. هذا هو الذي يظهر من بادئ الرأى.
و إنما قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد بعد اليوم» [٤] لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هلك هو و من معه حينئذ، لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان.
[١] سورة القمر: ٤٥.
[٢] صحيح: و هو عند البخاري (٢٩١٥) فى الجهاد و السير، باب: ما قيل فى درع النبيّ صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، إلا أنه فيه بلفظ غريب من ذلك
[٣] سورة القمر: ٤٥.
[٤] صحيح: و قد تقدم قريبا.