المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢١٦ - مغازيه و سراياه و بعوثه- صلى اللّه عليه و سلم
و أما شدة اجتهاده- عليه الصلاة و السلام- و نصبه فى الدعاء، فإنه رأى الملائكة تنصب فى القتال و جبريل على ثناياه الغبار و أنصار اللّه يخوضون غمرات الموت. و الجهاد على ضربين جهاد بالسيف و جهاد بالدعاء، و من سنة الإمام أن يكون وراء الجند لا يقاتل معه، فكان الكل فى جهاد و اجتهاد، و لم يكن ليريح نفسه من أحد الجدين و الجهادين و أنصار اللّه و ملائكته يجتهدون، و لا ليؤثر الدعة و حزب اللّه مع أعدائه يجتلدون. انتهى.
و فى صحيح مسلم عن ابن عباس قال عمر بن الخطاب: (لما كان يوم بدر نظر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- إلى المشركين و هم ألف و أصحابه ثلاثمائة و تسعة عشر رجلا دخل العريش، فاستقبل القبلة ثم مد يديه، و جعل يهتف بربه:
«اللهم أنجز لى ما وعدتنى» ... فما زال يهتف بربه مادّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه و قال: يا نبى اللّه كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل اللّه تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ [١]. مرسل إليكم مدادا لكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [٢] [٣]. أى متتابعين بعضهم فى إثر بعض.
و على قراءة فتح الدال معناه: أردف اللّه المسلمين و جاءهم بهم مدادا.
و فى الآية الأخرى بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [٤]. فقيل معناه:
إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف. فكان الأكثر مدادا للأقل، و كان الألف مردفين بمن وراءهم. و الألف هم الذين قاتلوا مع المؤمنين، و هم الذين قال لهم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [٥]. و كانوا فى صور الرجال، و يقولون للمؤمنين: اثبتوا فإن عدوكم قليل و إن اللّه معكم.
و قال الربيع بن أنس: أمد اللّه المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.
[١] سورة الأنفال: ٩.
[٢] سورة الأنفال: ٩.
[٣] صحيح: و الخبر عند مسلم (١٧٦٣) و قد تقدم قريبا.
[٤] سورة آل عمران: ١٢٤.
[٥] سورة الأنفال: ١٢.