المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٠٦ - مغازيه و سراياه و بعوثه- صلى اللّه عليه و سلم
و فى هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، و إن تقدم نزوله، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر و المغرب و العشاء و اللّه أعلم.
و روى الطبرى عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما-: لما هاجر- صلى اللّه عليه و سلم- إلى المدينة، و اليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره اللّه تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرا، و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو و ينظر إلى السماء فنزلت الآية [١].
قال فى فتح البارى و ظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة. لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما-: كان- صلى اللّه عليه و سلم- يصلى بمكة نحو بيت المقدس، و الكعبة بين يديه [٢]، قال: و الجمع بينهما ممكن: بأن يكون أمر لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.
و أخرج الطبرى أيضا من طريق ابن جريج قال: صلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس و هو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر، فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجهه اللّه إلى الكعبة [٣].
و قوله فى حديث ابن عباس الأول: «أمره اللّه تعالى» يرد قول من قال:
إنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد.
و عن أبى العالية: أنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب. و هذا لا ينفى أن يكون بتوقيف.
و اختلفوا فى المسجد الذي كان يصلى فيه:
فعند ابن سعد فى الطبقات: أنه صلى ركعتين من الظهر فى مسجده
[١] أخرجه ابن جرير الطبرى فى «تفسيره» (١/ ٥٠٢)، (٢/ ٥ و ٢٠).
[٢] أخرجه أحمد فى «مسنده» (١/ ٣٢٥).
[٣] مرسل: أخرجه ابن جرير فى «تفسيره» (٢/ ٥) عن ابن جريج مرسلا.