المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٧٢ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
و أبو بكر معه، أنبت اللّه على بابه الراءة. قال قاسم: و هى شجرة معروفة، و هى أم غيلان. و عن أبى حنيفة [١]: تكون مثل قامة الإنسان لها خيطان و زهر أبيض تحشى به المخاد فيكون كالريش لخفته و لينه، لأنه كالقطن، فحجبت عن الغار أعين الكفار.
و فى مسند البزار: أن اللّه عز و جل أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار و أرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على وجه الغار، و أن ذلك مما صد المشركين عنه، و أن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين [٢].
ثم أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم و هراويهم و سيوفهم، فجعل بعضهم ينظر فى الغار، فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: مالك؟
قال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه أحد. و قال آخر:
ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: ما أربكم إلى الغار، إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد [٣].
و قد روى أن الحمامتين باضتا فى أسفل النقب و نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخلا لتكسر البيض و تفسخ نسج العنكبوت. و هذا أبلغ فى الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود.
فتأمل كيف أظلت الشجرة المطلوب و أضلت الطالب، و جاءت العنكبوت فسدت باب الطلب، و حاكت وجه المكان فحاكت ثوب نسجها، فحاكت سترا حتى عمى على القائف الطلب و للّه در القائل:
و العنكبوت أجادت حوك حلتها * * * فما تخال خلال النسج من خلل
[١] هو: أحمد بن داود الدينورى النحوى، تلميذ ابن السكيت، ألف فى اللغة و النحو و الهندسة، مات سنة (٢٨٢ ه) و هو غير الإمام أبى حنيفة صاحب المذهب المشهور.
[٢] ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٣/ ٢٣١) بنحوه و قال: رواه الطبرانى فى الكبير، و مصعب المكى، و الذي روى عنه، و هو عوين بن عمرو القيسى لم أجد من ترجمهما، و بقية رجاله ثقات.
[٣] انظر ما قبله.