المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٢ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، و كذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض.
و إذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، و هو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى.
فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه- صلى اللّه عليه و سلم- أن يزيد فى القرآن عمدا ما ليس فيه، و كذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته.
و قد سلك العلماء فى ذلك مسالك:
فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، و هو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم اللّه آياته، و هذا أخرجه الطبرى عن قتادة.
و رده القاضى: عياض: بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- ذلك، و لا ولاية للشيطان عليه فى النوم.
و قيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره. و رده ابن العربى بقوله تعالى، حكاية عن الشيطان: وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ [١] الآية، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقى لأحد قوة على طاعة.
و قيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم و صفوها بذلك، فعلق بحفظه صلى اللّه عليه و سلم- فجرى ذلك على لسانه لما ذكرهم سهوا.
و قد رد ذلك القاضى عياض فأجاد.
و قيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار.
قال القاضى عياض: و هذا جائز إذا كانت قرينة تدل على المراد، و لا سيما و قد كان الكلام فى ذلك الوقت جائزا فى الصلاة.
و إلى هذا نحا الباقلانى.
[١] سورة إبراهيم: ٢٢.