بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٩ - ٤- هل يمكن الوقوف على فلسفة الأحكام؟
و لكن ينبغي الالتفاف إلى أنّ الأحكام الشّرعية من جهة بيان فلسفتها تنقسم إلى أربعة أقسام:
١- أحكام شرعية لها فلسفة واضحة، و يمكن اعتبارها من المستقلات العقلية [١]، كتحريم السرقة، و الكذب، و الغيبة، و ظلم الآخرين، و غيرها من الأمور التي يمكن للعقل البشري أن يدرك أنّها نوع من الظلم، و قبح الظلم من المستقلات العقلية.
٢- الأحكام الشّرعية التي لا تعتبر فلسفتها من المستقلات العقلية، فهي فلسفة غير بيّنة، إلّا أنّ القرآن الكريم و الروايات هي التي تكفّلت إبداء فلسفتها، و هذه الأحكام كثيرة، مثل فلسفة الصلاة و الزكاة و الصوم.
٣- الأحكام الشّرعية التي ليست فلسفتها من المستقلات العقلية، و ليست من الأحكام التي بيّن القرآن أو الروايات فلسفتها، و لكن على أثر مرور الزمان و تقدم العلم اتضحت لنا فلسفة و حكمة تشريعها، مثل فلسفة حرمة أكل لحم الخنزير التي توصل العلم اليوم إلى اكتشاف فلسفة تحريمه.
٤- الأحكام الشرعية التي لم تتضح فلسفتها بأي من الطرق الثّلاثة السّابقة، مثل عدد ركعات الصلاة، مقادير سهام الإرث، نصاب الزكاة، مقادير الديات و غيرها من الأحكام التي لم نتوصل لحدّ الآن إلى معرفة فلسفتها، و النّتيجة هي أنّ الأحكام الشرعية أربعة أقسام، ثلاثة منها يمكن التّعرف على فلسفتها، و يحقّ لنا البحث فيها، و أمّا القسم الرابع فلا يمكن الوقوف على فلسفته [٢].
[١] المستقلات العقلية مصطلح يطلق على الأمور البديهية التي يدركها كل عاقل، و لا يمكن إنكارها، كقبح الظلم و حسن الإحسان و إعانة الآخرين.
[٢] و هذه النّظرية هي النّظرية الوسط في هذه المسألة، و هناك نظريتان أخريان: إحداهما لزمت جانب الإفراط، و الأخرى لزمت جانب التفريط، فالأولى تقول: إنّ البحث في فلسفة الأحكام ممنوع مطلقاً! و الأخرى تقول: إنّ معرفة الأحكام ممكنة مطلقاً، و كلا النظريتين خاطئة، و للأسف فإنّ مثل هذا التفريط و الإفراط كثير في النظريات التي تبحث في المسائل العلمية و الاجتماعية و الثقافية و. و غالباً ما يكون وجود إحدى هاتين الرؤيتين سبباً ورد فعل لظهور النظرية المعاكسة.