بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٨ - السؤال الخامس بعد قبول صحّة قبلنا مسألة تنصيف دية النّساء
و إنّ الشارع المقدس أولاها برعاية خاصة- و النتيجة هي أنّ المساواة ليست دائماً عدلا، بل قد تكون ظلماً أحياناً [١].
و من مجموع هذه البحوث نستنتج أن لتنصيف دية النّساء فلسفة واضحة، و هي أنّ الضرر الاقتصادي الناشئ من فقدان الرّجل أكبر بمراتب من الضرر الناشئ من فقدان المرأة، و لذا كانت دية الرّجل ضعف دية المرأة.
و ما ذكرناه كان أحد الطرق لحلّ مثل هذه الشبهات، و يمكننا هنا أن نعالج الموضوع بنحو آخر، و هو أن نقول: نحن نعتقد بأنّ الأحكام الإلهية مبتنية على أساس العلم الإلهي اللامحدود، و أنّ القوانين و الشرائع خاضعة و تابعة للمصالح و المفاسد، و عليه فإنّ ما ندركه من فلسفة الأحكام يرتبط غالباً بالأحكام الكلية، كالصلاة، و الصوم، و الجهاد، و الحج، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و الدّية، و الإرث، و أمثالها، أمّا جزئيات هذه الأحكام فيمكن لنا أن ندركها و يمكن أن لا ندركها، و هي مصداق للحديث الشريف
«لا شيء أبعد عن عقول الرجال من دين الله»
[٢].
فلما ذا كانت صلاة الصبح ركعتين؟ و لما ذا كان الطواف سبعة أشواط؟ و لما ذا يجب الطواف من اليمين إلى اليسار؟ و لما ذا لا بدّ أن يبدأ السعي من الصفا و يختم بالمروة؟ و أمثال هذه الأسئلة في خصوص بعض الجزئيات، فقد لا ندرك فلسفتها، و لكن يكفي أن نعلم بأنّ كل هذه الأحكام قد رسمت معالمها بالعلم الإلهي الأزلي، و بعد أن اعتقدنا بالنبوة و عصمة و حقانية أئمة الهدى (عليهم السلام)، نخضع لكلّ ما جاء عنهم و نسلّم
[١] ذكر الشّهيد الأستاذ مرتضى المطهري- رضوان الله عليه- في كتابه «عشرون مقالة» الصفحة ٩٧، بحثاً مفصلا عن التمييز الإيجابي و التمييز السلبي.
[٢] فرائد الأصول: طبع جامعة المدرسين، ج ١ ص ٢١٨ و ٢٥٥.