بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٧ - أوّلًا أن الذي يظهر من مجموع روايات الباب أنه أعطى النبي (صلى الله عليه و آله) الولاية على التشريع إجمالًا في موارد خاصّة،
إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يفوض إليه، إن الله تبارك و تعالى فوّض إلى سليمان ملكه فقال (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) و إن الله فوّض إلى محمّد (صلى الله عليه و آله) نبيه فقال (وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)
الحديث [١] ناظر إلى غير هذا من المعاني التي مرّ ذكرها للتفويض، من قبيل تفويض أمر الحكومة إلى الخلق، و الإعطاء و المنع في العلم و المال، أو شبه ذلك، و سنشير إلى روايات تدلّ على عدم حكمهم بغير الكتاب و السنة فانتظر.
سادساً: قد عرفت أن للتفويض معان كثيرة، و مجرّد ذكره في بعض أحاديث الباب لا يكون دليلًا على التفويض في أمر التشريع فلا بدّ في كلّ مقام من ملاحظة القرائن الموجودة فيه، و لو لم يكن هناك قرينة معيّنة كان مجملًا لا يصلح للاستدلال.
سابعاً: تحصل من جميع ذلك أنه ليس للفقيه تشريع في شيء من الأحكام لأمور شتى قد عرفت الإشارة إليها آنفاً، من عدم كونه معصوماً مؤيداً بروح القدس و كون الشريعة كاملة بعده (صلى الله عليه و آله) و غير ذلك، مضافاً إلى فقدان الدليل عليه، بل هو حافظ لأحكام الشرع و مواريث النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة المعصومين، بل عليه استنباطها من أدلتها، ثمّ إجراؤها و إنفاذها، و لو بقي له شك في شيء من الأمور فعليه الرجوع إلى الأصول العملية و القواعد المقرّرة للجاهل الحاصرة لمجاريها.
و لا شكّ أن الأحكام الواردة في الشرع بعناوينها الأولية و الثّانوية كافلة لجميع ما تحتاج إليه الأمّة في أمر الدين و الدنيا، و من عمل بذلك كلّه و أضاف إليه الأحكام الولائية الإجرائية الجزئية فقد وفق لكلّ خير، و لا يخاف بخساً و لا رهقاً، و لا يأتيه مكروه من بين يديه و لا من خلفه.
هذا و يؤيد ما ذكرنا من عدم وجود تشريع صادر من الإمام المعصوم فكيف
[١] بصائر الدرجات: ب ٤ من الجزء الثامن، باب التفويض إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ح ٩ ص ٣٨٠.