بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٨ - المنصب الثّاني القضاء و الحكم بين الناس
من المجتهد المطلّق.
و تحقيق الكلام في ذلك سيأتي في محله، و لكن الذي يجب التصريح به هنا أن معنى جواز التصدي لهذا المقام لغير المجتهد ليس معناه جوازه لكلّ مقلد، بل اللازم العلم بجميع المسائل التي يتصدى للقضاء فيها من الحقوق، و الحدود و شرائطها، و فروعها، و العلم بجميع أحكام القضاء، و آدابه، لا يحصل ذلك إلّا لمقلّد يكون تالياً للمجتهد و قريباً منه، و على كلّ حال ثبوت هذا المنصب للفقيه ممّا لا ريب فيه، و أمّا الزائد عنه فهو خارج عمّا نحن بصدده.
بقي هنا شيء و هو أنه: لا ينبغي الشكّ في أن القضاء من المناصب التي لا يجوز التصدي لها إلّا بعد النصب له عموماً أو خصوصاً و يدل عليه:
أوّلًا: أنه كذلك بين جميع الأمم، بل هو جزء من ولاية الحاكم، و شأن من شئونه، و لا يزال ينصب القاضي من قبل رؤساء الحكومات و ولاة الأمور، و السرّ فيه أنهم متصدون لنظام البلاد الذي لا يتمّ إلّا بحسن القضاء بين الناس.
مضافاً إلى أن أحكام القضاة لا تنفذ إلّا بقوّة قهرية تجبر الظالم على أداء حقّ المظلوم، و هذا لا يتحقق إلّا إذا كان القاضي معتمداً على قوّة السلطان، لأن الناس لا يقومون بالقسط إلّا بالحديد أحياناً، و لذا أنزله الله بعد إنزال الكتاب و الميزان.
و ثانياً: وقع التصريح بذلك في مقبولة عمر بن حنظلة في قوله (عليه السلام)
«فإني قد جعلته حاكماً»
[١] و قوله
«فإني قد جعلته قاضياً»
في رواية أبي خديجة [٢] فإنها ظاهرة بل صريحة في حاجته إلى الجعل و أنه من المناصب الإلهية التي أمرها بيد ولي الأمر.
هذا مضافاً إلى أن المسألة قد أجمع عليها الأصحاب، فقد أجمعوا على أنه يشترط
[١] الوسائل: ج ١٨ ب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ١.
[٢] الوسائل: ج ١٨ ب ١ من أبواب صفات القاضي ح ٥.