بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - الفرع الثاني دية الجنين على المباشر لإسقاطه
البعيد شمول الإطلاقات لما نحن فيه، و لو فرض الشكّ فيها فالأصل هو براءة الطبيب. و من ذلك يظهر حال ما لو طلب أحد الأبوين ذلك و أذن فيه سقط حقّه فقط دون الآخر، فهل تكون الدية بكاملها للآخر أو له سهمه فقطر؟ الظاهر هو الثاني؛ لسقوط سهمه بالإذن، لا أنّه ممنوع من الميراث حتّى يرثه غيره.
و لو شربت الأمّ دواءً فأسقط جنينها، فهنا انعكس الأمر فكان الطبيب آمراً و الأمّ مباشرة، وجبت الدية عليها لأبيه لكونها المباشر في القتل، و لو مات أبوه قبل ذلك فالدية للإخوة و الأخوات و الجدّة و الأجداد و هكذا. و كذا الحال فيما لو وصف لها الطبيب دواءً لإسقاط الجنين فشربته أو هي طلبت منه دواءً فأعطاها فشربته فأسقطت جنينها، كانت هي المباشر في ذلك، و وجبت عليها الدية. و يتبع الحكم المتقدّم ما لو ابتاع الأب لها دواءً لهذا الغرض فشربته كانت الدية عليها. و أمّا لو أعطاها زوجها دواءً يعلم أنّه يُسقط الجنين و كان قاصداً لإسقاطه، و زعم أنّه نافع لتقوية الجسم مثلًا فشربته كان القاتل هو الأب دونها؛ لعدم استناد الفعل إليها، و كذا الحال فيما لو كانت قاصرة العقل.
و الحاصل: فالمدار في كلّ ذلك على الإسناد العرفي، فإنّه من الواضح إسناد الفعل إلى المباشر مع وجود السبب، إلّا أن يكون المباشر ضعيفاً بأن يكون مغلوباً على أمره مقهوراً على العمل، أو كان المباشر قاصر العقل بالصبا أو الجنون، أو كان جاهلًا بالواقع بالمرّة كما تقدّم آنفاً، فإنّ الفعل في جميع ذلك يسند إلى السبب لقوّته و ضعف المباشر. و أمّا لو كان المباشر بالغاً عاقلًا عالماً مختاراً فالفعل يسند إليه دون السبب؛ للصدق العرفي في ذلك، مضافاً إلى دلالة جملة من الروايات الواردة في أبواب مختلفة:
١- منها: ما رواه زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)
في رجل أمر رجلًا بقتل رجل فقتله قال: «يقتل به الذي قتله، و يحبس الآمر بقتله في الحبس حتّى يموت»
[١].
[١] الوسائل: ج ١٩ ص ٣٢ ب ١٣ من قصاص النفس ح ١، إلى غير ذلك ممّا ورد في هذا الباب.