مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٢١ - ٧٠ وصيّته
يَوماً، فأذاعوا ذلِكَ وأفشَوهُ، فَحَبَسَ عَنهُم القَطرَ أربعينَ سَنَةً، وَأنتُم قَد قَرُبَ أمرُكُم فَأذعتُموه في مَجالِسِكُم.
يا أبا جَعفَر، ما لَكُم ولِلنّاسِ؟ كُفّوا عَنِ النّاسِ وَلا تَدعوا أحَداً إلى هذا الأمرِ [١]، فَوَ اللَّهِ لَو أنّ أهلَ السَّماواتِ (وَالأرضِ) اجتَمَعوا على أن يُضِلّوا عَبداً يُريدُ اللَّهُ هُداهُ ما استَطاعوا أن يُضِلّوهُ. كُفّوا عَنِ النّاسِ وَلا يَقُل أحَدُكُم: أخي وَعَمّي وَجاري. فإنّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ إذا أرادَ بِعَبدٍ خَيراً طَيَّبَ روحَهُ فلا يَسمَعُ معروفاً إلّاعَرَفَهُ وَلا مُنكراً إلّاأنكَرَهُ، ثُمَّ قَذَفَ اللَّهُ في قَلبِهِ كَلِمَةً يَجمَعُ بِها أمرَهُ.
يا ابنَ النُّعمانِ، إن أرَدتَ أن يَصفوَ لَكَ وُدُّ أخيكَ فلا تُمازِحَنَّهُ وَلا تُمارِيَنَّهُ وَلا تُباهِيَنَّهُ وَلا تُشارَّنَّهُ، وَلا تُطلِع صديقَكَ مِن سِرِّكَ إلّاعلى ما لَوِ اطّلَعَ عَلَيهِ عَدُوُّكَ لَم يَضُرَّكَ، فإنَّ الصّديقَ قَد يَكونُ عَدُوَّكَ يَوماً.
يا ابنَ النُّعمانِ، لا يَكونُ العَبدُ مُؤمِناً حَتّى يَكونَ فيهِ ثَلاثُ سُنَنٍ: سُنَّةٌ مِنَ اللَّهِ وَسُنَّةٌ مِن رَسولِهِ وَسُنَّةٌ مِنَ الإمامِ.
فأمّا السُّنَّةُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، فَهُو أن يَكونَ كَتوماً لِلأسرارِ، يَقولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكرُهُ: «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا» [٢].
وَأمّا الّتي مِن رَسولِ اللَّهِ ٦، فَهُو أن يُداريَ النّاسِ وَيُعامِلَهُم بِالأخلاقِ الحَنيفِيَّةِ.
وَأمّا الّتي مِنَ الإمامِ، فَالصَّبرُ فِي البَأساءِ وَالضَّرّاءِ حَتّى يأتِيَهُ اللَّهُ بِالفَرَجِ.
يا ابنَ النّعمان، لَيسَتِ البلاغَةُ بِحِدَّةِ اللّسانِ، وَلا بِكَثرَةِ الهَذَيانِ، وَلكِنَّها إصابَةُ المَعنى
[١]. أي كُفُّوا عن دعوتهم إلى دين الحقّ في زمن شدّة التّقيّة. قال ٧: هذا في زمان العُسرَةِ و الشِّدّة على المؤمنين في الدولة العبّاسيّة، و حاصل الكلام أن من يريد اللَّه هداه لن يستطيع أحد أن يضلّه و هكذا من لم يرد اللَّه أن يهديه لن يستطيع أحد أن يهديه. و رواه الكليني عن ثابت بن سعيد: لا تدعو أحداً إلى أمركم فو اللَّه لو أنّ أهل الأرضين اجتمعوا على أن يهدوا عبداً يريد اللَّه ضلالته ما استطاعوا على أن يهدوه و لو أنّ أهل السّماوات و أهل الأرضين اجتمعوا على أن يضلّوا عبدا ... إلخ (راجع: الكافي: ج ٢ ص ٢١٣).
[٢]. الجن: ٢٦.