مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٩٣ - ١٩ رسالته
رسالته إلى أصحاب الرّأي و القياس:
أمّا بَعدُ فَإنَّهُ مَن دَعا غَيرَهُ إلى دِينِهِ بِالارتِياءِ وَالمَقائيسِ، لَم يُنصِف وَلَم يُصِب حَظَّهُ؛ لِأَنَّ المَدعُوَّ إلى ذلِكَ لا يَخلو أيضاً مِنَ الآرتِياءِ وَالمَقائيسِ، وَمَتى ما لَم يَكُن بِالدَّاعي قُوَّةٌ في دُعائِهِ عَلى المَدعُوِّ لَم يُؤمَن عَلى الدّاعي أن يَحتاجَ إلى المَدعُوِّ بَعدَ قَليلٍ، لِأنّا قَد رَأينا المُتَعَلِّمَ الطّالِبَ رُبَّما كانَ فائِقاً لِمُعَلِّمٍ وَلَو بَعدَ حينٍ، وَرَأينا المُعَلِّمَ الدّاعِيَ رُبَّما احتاجَ في رأيِهِ إلى رَأي مَن يَدعو وَفي ذلِكَ تَحَيَّرَ الجاهِلونَ، وَشَكَّ المُرتابونَ، وَظَنَّ الظّانونَ، وَلَو كانَ ذلِكَ عِندَ اللَّهِ جائِزاً لَم يَبعَثِ اللَّهُ الرُّسُلَ بِما فيهِ الفَصلُ، وَلَم يَنهَ عَنِ الهَزلِ، وَلَم يُعِبِ الجَهلَ، وَلَكِنَّ النّاسَ لَمّا سَفِهوا الحَقَّ وَغَمَطوا النِّعمَةَ، وَاستَغنَوا بِجَهلِهِم وَتَدابيرِهِم عَن عِلمِ اللَّهِ، وَاكتَفَوا بِذلِكَ دونَ رُسُلِهِ وَالقُوّامِ بأمِرِهِ، وَقالوا: لا شَي ءَ إلّاما أدرَكَتهُ عُقولُنا وَعَرَفَتهُ ألبابُنا، فَوَلّاهُمُ اللَّه ما تَوَلَّوا، وَأهمَلَهُم وَخَذَلَهُم حَتّى صاروا عَبَدَةَ أنفُسِهِم مِن حَيثُ لا يَعملونَ.
ولو كانَ اللَّهُ رَضِيَ مِنهُم اجتِهادَهُم وَارتِياءَهُم فيما ادَّعَوا مِن ذلِكَ، لَم يَبعَثِ اللَّهُ إلَيهِم فاصِلًا لِما بَينَهُم، وَلا زاجِراً عَن وَصفِهِم، وإنّما استَدلَلنا أنَّ رِضا اللَّهِ غَيرُ ذلِكَ، بِبَعثِهِ الرُّسُلَ بِالأُمورِ القَيِّمَةِ الصَّحيحَةِ، وَالتَّحذيرِ عَنِ الأُمورِ المُشكِلَةِ المُفسِدَةِ، ثُمَّ جَعَلَهُم أبوابَهُ وَصِراطَهُ، وَالأدِلّاءَ عَلَيهِ بِأمورٍ مَحجوبَةٍ عَنِ الرّأيِ وَالقِياسِ، فَمَن طَلَبَ ما عِندَ اللَّهِ بِقِياسٍ وَرَأيٍ لَم يَزدَد مِنَ اللَّهِ إلّابُعداً، وَلَم يَبعَث رَسولًا قَطُّ وَإن طالَ عُمرُهُ قابِلًا مِنَ النّاسِ خِلافَ ما جاءَ بِهِ حَتّى يَكونَ مَتبوعاً مَرَّةً وَتابِعاً أُخرى، وَلَم يُرَ أيضاً فيما جاءَ بِهِ استعمَلَ رَأياً وَلا مِقياساً حَتّى يَكونَ ذلِكَ وَاضِحاً عِندَهُ كالوَحي مِنَ اللَّهِ، وَفي ذلِكَ دَليلٌ لِكُلِّ ذي لُبٍّ وَحِجىً، أنَّ أصحابَ الرَّأي وَالقِياسِ مُخطِئونَ مُدحَضونَ.
وَإنّما الاختلافُ فيما دونَ الرُّسُلِ لا في الرُّسُلِ فَإيّاكَ أيُّها المُستَمِعُ أن تَجمَعَ عَلَيكَ خِصلَتَينِ: إحداهُما القَذفُ بِما جاشَ بِهِ صَدرُكَ، وَاتِّباعُكَ لِنَفسِكَ إلى