مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٧٥ - ٤٧ كتابه
فَصَدَّ النَّبيُّ ٦ بِوَجهِهِ فَأنزَلَ اللَّهُ عز و جل: «يَسْئلُونَكَ عَنِ الأْنفَال» [١]. وَالأنفالُ اسمٌ جامِعٌ لِما أصابوا يَومَئِذٍ، مِثلُ قَولِهِ: «مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ» [٢] ومثل قوله: «أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْءٍ» [٣] ثمّ قال: «قُلِ الأْنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ» [٤] فاختَلَجَها اللَّهُ مِن أيديهِم، فَجَعَلَها للَّهِ وَلِرَسولِهِ. ثُمّ قالَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» [٥].
فَلَمّا قَدِمَ رَسولُ اللَّهِ ٦ المدينَةَ، أنزَلَ اللَّهُ عَلَيهِ: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْءٍ فَإنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَا وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَ امَنتُم بِاللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ» [٦]. فأمّا قوله:
«للَّهِ» فَكَما يَقولُ الإنسانُ: هُوَ للَّهِ وَلَكَ وَلا يُقسَمُ للَّهِ مِنهُ شَيءٌ.
فَخُمسُ رَسولِ اللَّهِ ٦ الغَنيمَةُ الّتي قَبَضَ بِخَمسَةِ أسهُمٍ. فَقَبَضَ سَهمَ اللَّهِ لِنَفسِهِ، يُحيي بِهِ ذِكرَهُ وُيورَثُ بَعدَهُ. وَسَهماً لِقَرابَتِهِ مِن بَني عَبدِ المُطّلِبِ، فَأنفَذَ سَهماً لِأيتامِ المُسلِمينَ، وَسَهماً لِمَساكِينهِمِ. وَسَهماً لابن السَّبيلِ مِنَ المُسلِمينَ في غَيرِ تِجارَةٍ، فَهذا يَومُ بَدرٍ، وَهذا سَبيلُ الغنائِمِ الّتي أُخِذَت بِالسَّيفِ.
وَأمّا ما لَم يُوجَف عَلَيهِ بِخَيلٍ وَلا رِكابٍ، فَإن كانَ المُهاجِرونَ حينَ قَدِموا المَدينَةَ أعطَتهُم الأنصارُ نِصفَ دورِهِم وَنِصفَ أموالِهمِ، وَالمُهاجِرونَ يَومَئذٍ نَحوُ مِئةِ رَجُلٍ، فَلَمّا ظَهَرَ رَسولُ اللَّهِ ٦ عَلى بَني قُريظَةَ وَالنَّضيرِ [٧] وَقَبَضَ أموالَهُم.
[١]. الأنفال: ١.
[٢]. الحشر: ٦ و ٧.
[٣]. الأنفال: ٤١
[٤]. الأنفال: ١.
[٥]. الأنفال: ١.
[٦]. الأنفال: ٤١.
[٧]. بنو قريظة- كجهينة- و بنو النّظير- كشرير-: بطنان من اليهود بالمدينة كان بينهم و بين رسول اللَّه ٦ عهد و ميثاق فنقضوا. أمّا بنو قريظة فنقضوا عهدهم و ميثاقهم في غزوة الخندق السنة الخامسة من الهجرة فكانوا من الأحزاب الّذين اهتمّوا على المسلمين فلمّا فرغ رسول اللَّه ٦ من هذه الغزوة مضى مع أصحابه إليهم و حاصرهم ليالي و أياما حتّى نزلوا على حكم رجل من الأوس و هو سعد بن معاذ لأنّ الأوس من حلفائهم. فحكم سعد فيهم بالقتل و السّبي. و أنزل اللَّه تعالى فيهم:
«وَ أَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقًا* وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيَارَهُمْ وَ أَمْوَ الَهُمْ وَ أَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَ كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرًا»
. (الأحزاب: ٢٦ و ٢٧).
و أمّا بنو النّضير فإنّ النّبيّ ٦ لمّا أتاهم يستعينهم في دية الرّجلين اللّذين من بني عامر- و كان بنو عامر في جواره ٦- قتلهما عمرو بن أُميّة الضّمري في منصرفه من بئر معونة، همُّوا بطرح حجر عليه من فوق الحصن فعصمه اللَّه و اطّلع منهم على خيانة فرجع النّبيّ ٦ إلى المدينة و بعث إليهم محمّد بن مسلمة أن اخرجوا من ديارهم و ارتحلوا منها فلم يقبلوا منه، فحاصرهم رسول اللَّه ٦ ليالي و أيّاماً حتّى قبلوا ذلك منه، فصالحهم على الأجلّاء و على أنّ لهم ما أقلّت الإبل من بعض أموالهم و للنّبيّ ٦ ما بقي، فأجلاهم النّبيّ ٦ عن ديارهم و ولى إخراجهم محمّد بن مسلمة، فعبروا من سوق المدينة و تفرّقوا في البلاد فأُنزل فيهم آيات في سورة الحشر، فكان أموالهم و عقارهم فيئا لرسول اللَّه ٦ خاصّة له، خصّه اللَّه تعالى بها، و لم تكن تحصل بالقتال و الغلبة، و لكن سلطه اللَّه عليهم و على ما في أيديهم فالأمر فيه مفوّض إليه يضعه حيث يشاء، و لا يقسمه قسمة الّتي قوتل عليها، و أُخذت عنوة قهراً، فقسّمها بين المهاجرين و لم يعط الأنصار إلّا اثنين منهم- لفقرهما-: سهل بن حنيف و سماك بن أبي خراشة. قيل: و بقي منها صدقته الّتي في أيدي بني فاطمة ٣. و هذه الوقعة كانت في السنة الرّابعة من الهجرة النّبويّة. (راجع: تفسير القمّي: ج ٢ ص ١٨٩، تاريخ الطّبري: ج ٢ ص ٢٢٣، فتوح البلدان: ج ١ ص ١٨).