مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٣٧٠ - ١٠٦ كتابه
وأمَرَتْكَ فأطَعْتَها. فاقْعَس عَن هذا الأمرِ، وخُذْ أُهبةَ الحِسابِ؛ فإنَّهُ يُوشَكُ أن يَقِفَكَ واقِفٌ علَى ما لا يُجِنَّك مِنهُ مِجَنٌّ.
ومَتى كُنتُمْ يا مُعاوِيَةُ، ساسَةً للرَعِيَّةِ، أو وُلاةً لأمْرِ هذهِ الأمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ حَسَنٍ، ولا شَرَفٍ سابِقٍ علَى قَوْمِكُم. فشمِّر لِما قَدْ نَزَلَ بِكَ، ولا تُمَكِّنِ الشَّيطانَ مِن بُغْيَتِهِ فِيكَ، مَعَ أنِّي أعرِفُ أنَّ اللَّهَ ورسُولَهُ صادِقان.
فَنَعوذُ باللَّهِ مِن لُزُومِ سابِقِ الشَّقاءِ، وإلَّا تَفعَلْ أُعلِمْكَ ما أغفَلَكَ مِن نَفْسِكَ، فَإنَّكَ مُترَفٌ قَد أخَذَ مِنكَ الشَّيطانُ مَأْخَذَهُ، فَجَرى مِنكَ مَجرى الدَّمِ في العُروقِ.
واعلَم أنَّ هذا الأمرَ لَو كانَ إلى النَّاسِ أو بأيديهِم لَحَسَدُونا، وامتَنُّوا بهِ علَيْنا، ولَكِنَّهُ قَضاءٌ مِمَّن امتَنَّ بهِ علَينا علَى لِسانِ نَبيِّهِ الصَّادِقِ المُصَدَّقِ. لا أفلَحَ مَنْ شَكَّ بَعدَ العِرفانِ والبَيِّنَةِ.
اللّهُمَّ احكُمْ بَيننا وبَيْنَ عَدُوِّنا بالحَقِّ، وأنتَ خَيرُ الحاكِمينَ».
فكتب معاوية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من معاوية بن أبي سُفْيَان إلى عليّ بن أبي طالب: أمَّا بعد، فدع الحسد، فإنَّك طالماً لم تنتفِعْ به، و لا تُفسِد سابقةَ قِدَمك بشَرَهِ نَخوَتِكَ، فإنَّ الأعمال بخواتيمها، و لا تمحقْ سابقتك في حقِّ من لا حقَّ لك في حقّه، فإنَّك إن تفعل لا تضرُّ بذلك إلّا نفسَكَ، و لا تمحقُ إلَّا عملَكَ، و لا تُبطِلُ إلَّا حجَّتكَ. و لعَمري، ما مضى لك من السَّابقات لشبيهٌ أن يكون ممحوقاً؛ لِما اجترأت عليه من سفْك الدِّماء، و خلاف أهلِ الحقِّ. فاقرأ سورة الفلق، و تعوَّذْ باللَّهِ من شرِّ نفسك، فإنَّك الحاسد إذا حسد. [١]
[١]. وقعة صفِّين: ص ١٠٨- ١١٠ و راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ١٥ ص ٨٦ و ٨٧، تاريخ مدينة دمشق: ج ٥٩ ص ١٣٢ و ١٣٣.