مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٣٦٧ - ١٠٦ كتابه
جَلابِيبُ ما أنتَ فيهِ] قد ذكرها نَصْر بن مزاحم في كتاب صفِّين على وجه يقتضي أنَّ ما ذكره الرَّضِيُ (رحمه الله) منها، قد ضمَّ إليه بعضَ خطبة أخرى، و هذه عادَتَهُ، لأنَّ غَرَضَه الْتِقاط الفصيح و البليغ من كلامه، و الَّذي ذكره نَصْر بن مُزاحم هذه صورته: [صورة الكتاب على نصّ المعتزليّ]
«مِن عَبدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أميرِالمُؤمِنينَ إلى مُعاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيانَ: سَلامٌ علَى مَنِ اتَّبعَ الهُدى، فإنِّي أحمَد إلَيْكَ اللَّهَ الَّذي لا إلهَ إلَّاهُوَ.
أمَّا بَعدُ؛ فَإنَّكَ قَد رأيْتَ مُرورَ الدُّنيا وانقَضاءها وتَصَرُّمَها وتَصَرُّفَها بِأَهلِها، وخيرُ ما اكتُسِبَ مِنَ الدُّنيا ما أصابَهُ العِبادُ الصَّالِحونَ مِنها مِنَ التَّقوى، ومَن يَقِسِ الدُّنيا بِالآخِرَةِ يَجِدْ بَينَهما بَعِيداً.
واعلَمْ يا مُعاوِيَةُ، أنَّك قَدِ ادَّعَيتَ أمْراً لستَ مِن أهلِهِ لا فِي القَديمِ ولا في الحَديثِ، ولَسْتَ تَقولُ فيهِ بأمرٍ بَيِّنٍ يُعرَفُ لَهُ أثرٌ، ولا عَلَيْكَ مِنهُ شاهِدٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، ولَسْتَ مُتعلِّقاً بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، ولا عَهْدٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ٦، فَكَيْفَ أنتَ صانِعٌ إذا تقشَّعَتْ عَنكَ غَيابَةُ ما أنتَ فيهِ مِن دنيا قَدْ فَتَنَتْ بِزِينَتِها، ورَكَنْتَ إلى لَذَّاتِها، وخُلِّيَ بَينَكَ وبَينَ عَدُوِّكَ فِيها، وهُوَ عَدُوٌّ وكَلِبٌ مُضِلٌّ جاهِدٌ مُليح، ملحّ مع ما قد ثَبَتَ في نَفْسِكَ من جِهَتِها، دَعَتْكَ فأجَبتَها، وقادَتْكَ فاتَّبعْتَها، وأمَرَتْكَ فأَطعْتَها، فَاقْعَسْ [١] عَن هذا الأمْرِ، وخُذْ أُهبَةَ الحِسابِ؛ فَإنَّهُ يُوشِكُ أن يَقِفَكَ واقِفٌ علَى ما لا يُجِنَّك مِجَنٌّ.
ومتَى كُنتُم يا مُعاوِيَةُ، ساسَةَ الرَّعيَّةِ، أو وُلاةً لأمْرِ هذهِ الأمَّةِ، بِلا قَدَمٍ حَسَنٍ، ولا شَرَفٍ تَليدٍ على قَومِكُم، فاستَيْقَظْ مِن سِنَتِكَ، وارجِعْ إلى خالِقِكَ، وشَمِّر
[١] القعس: التأخير و الرجوع إلى الخلف، و الأصل: قايس من هذا الأمر (لسان العرب: ج ٦ ص ١٧٧ «قعس»).