مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٠٦ - ١٩ كتابه
لَهُ بالشّبَعِ، أوْ أبيتَ مِبْطاناً، وحَوْلي بُطُونٌ غَرْثى وأكْبَادٌ حَرّى، أوْ أكونَ كَما قالَ القائِلُ:
وحَسْبُكَ داءً أنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ * * * وحَوْلَكَ أكبَادٌ تَحِنُّ إلى القِدِّ
أأقْنَعُ مِن نَفسِي بأنْ يقالَ هذا أميرُالمُؤمِنينَ، ولا أُشْارِكُهم في مكارِه الدَّهرِ، أوْ أكونُ أُسْوَةً لَهُم في جُشُوبَةِ العَيْشِ فمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أكْلُ الطَّيِّباتِ كالْبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ هَمُّها عَلَفُها، أو المُرْسَلَةِ شُغْلُها تَقَمّمُها، تَكْتَرِشُ من أعْلَافها، وتَلْهو عمَّا يُرادُ بِها، أوْ أُتْرَكَ سُدىً وأُهْمَلَ عابِثاً، أوْ أجُرَّ حَبْلَ الضَّلالَةِ، أوْ أعْتَسِفَ طَرِيقَ المَتاهَةِ.
وكأنِّي بقائِلِكُم يقولُ: إذا كان هذا قُوتُ ابن أبي طالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عن قِتالِ الأقْرانِ، ومُنازَلَةِ الشّجْعَانِ.
ألا وإنَّ الشَّجَرَةَ البَرِّيَةَ أصْلَبُ عُوْدَاً، والرَّواتِعَ الخَضِرَةَ أرَقُّ جُلُوداً، والنَّابتاتِ العَذيَّةَ أقْوى وُقُوداً وأبْطَأُ خُمُوداً، وأنَا من رسُولِ اللَّهِ كالصِّنْوِ مِنَ الصِّنْوِ، والذِّرَاعِ من العَضُدِ.
واللَّهِ، لو تظاهَرَتِ العَرَبُ على قِتالي لَما وَلَّيْتُ عنها، ولوْ أمْكَنَتِ الفُرَصُ مِن رِقابِها لَسارَعْتُ إليْها، وسَأجْهَدُ في أنْ أُطَهِّر الأرضَ مِن هذا الشَّخصِ المَعْكُوسِ، والجِسْمِ المَرْكُوسِ، حَتَّى تخْرُجَ المَدَرَةُ من بيْنِ حَبِّ الحَصِيدِ.
إليْكِ عَنِّي يا دُنْيا، فَحَبْلُكِ علَى غارِبِكِ قَدْ انْسَلَلْتُ مِن مَخالِبِكِ، وأفْلَتُّ من حَبائِلِكِ، واجْتَنَبْتُ الذَّهابَ في مَدَاحِضِكِ، أيْنَ القوْمُ الَّذينَ غَرَرْتِهِم بمَداعِبِك، أيْنَ الأمَمُ الَّذينَ فَتَنْتِهِم بِزَخارِفِكِ؟! فهاهُم رَهائِنُ القُبُورِ، ومَضامِينُ اللُّحُودِ.