مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٠٥ - ١٩ كتابه
و مَضَى إليْها، (قال):
«أمَّا بَعدُ، يابنَ حُنَيفٍ، فَقَدْ بلَغَنِي أنَّ رَجُلًا من فِتيَةِ أهْلِ البَصْرَةِ دَعاكَ إلى مأْدُبَة، فأسْرَعْتَ إليْها، تُسْتَطَابُ لكَ الألوَانُ، وتُنْقَلُ إليْكَ الجِفْانُ، وما ظَنَنْتُ أنَّك تُجِيبُ إلى طَعامِ قَوْمٍ عائِلُهم مَجْفُوٌ، وغَنِيُّهُم مَدْعُوٌّ، فانْظر إلى ما تَقْضَمُهُ من هذا المَقْضَمِ، فما اشْتَبَهَ علَيْكَ عِلْمُهُ فالْفِظْهُ، وما أيْقَنْتَ بطِيبِ وُجُوْهِهِ فَنلْ مِنْهُ.
ألا وإنَّ لكلِّ مأْمُومٍ إماماً يَقْتَدي به، ويَسْتَضي ءُ بِنُورِ علْمِهِ.
ألا وإنَّ إمامَكُم قَدْ اكْتَفى مِن دُنْياهُ بِطِمْرَيْهِ، ومِن طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ.
ألا وإنَّكُم لا تَقْدِرُونَ على ذلِكَ، ولكِنْ أعِينُوني بوَرَعٍ واجْتِهادٍ، وعِفَّةٍ وسَدادٍ، فو اللَّهِ ما كَنَزْتُ مِن دُنْياكُم تِبْراً، ولا ادَّخَرْتُ من غَنائِمِها وَفْراً، ولا أعْدَدْتُ لِبَالي ثَوْبَيَّ طِمْراً، ولا حُزْتُ من أرْضِها شِبْراً، ولا أخَذْتُ منْه إلَّاكَقُوتِ أتَانٍ دَبِرَةٍ، ولَهِيَ في عَيْني أوْهى وأهْوَنُ من عَفْصَةِ مَقِرَةٍ.
بَلى كانَت في أيْدينا فَدَكٌ مِن كُلِّ ما أظَلَّتْهُ السَّماءُ، فَشَحَّت عليها نُفُوسُ قوْمٍ، وسَخَتْ عنها نُفُوسُ قوْمٍ آخَرينَ، ونِعْمَ الحَكَمُ اللَّه. وما أصْنَع بِفَدَكٍ وغَيْرِ فَدَكٍ، والنَّفسُ مظَانُّها في غَدٍ جَدَثٌ؛ تَنْقَطِعُ في ظُلْمِتِهِ آثارُها، وتَغِيبُ أخبارُها، وحُفْرةٌ لوْ زِيدَ في فُسْحَتِها، وأوْسَعَتْ يَدا حَافِرِها، لأضْغَطَها الحَجَرُ والمَدَرُ، وسَدَّ فُرَجَها التُّرابُ المُتراكِمُ، وإنَّما هِيَ نَفْسي أرُوضُها بالتَّقوى، لِتَأْتِيَ آمنَةً يَوْمَ الخَوْفِ الأكْبرِ، وتَثْبُتَ علَى جَوَانِبِ المَزْلَقِ.
ولو شِئْتُ لاهْتَدَيْتُ الطَّريقَ إلى مصَفَّى هذا العَسَلِ، ولُبابِ هذا القَمْحِ، ونَسائِجِ هذا القَزِّ، ولكِن هَيْهاتَ أنْ يَغْلِبَني هَوَايَ، ويَقُودَني جَشَعي إلى تَخَيُّرِ الأطْعِمَةِ، ولَعلَّ بالْحِجازِ أوْ اليَمَامَةِ مَن لا طَمَعَ لَهُ في القُرْصِ، ولا عَهْدَ