مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥٤٣ - ١٤٠ كتابه
نفسَه لِما جهِل من معرفة العلم عالِماً، وبرأيِه مكْتَفِياً، فما يَزالُ للعلماء معانِداً، وعليْهم زارِياً، ولِمَن خالَفه مُخَطِّئاً، ولِما لا يعرِفُ مِنَ الأُمورِ مُضَلِّلًا، فإذا ورَدَ عليْه من الأمر، مالا يعْرِفُه أنْكَرَه وكَذَّبَ به، وقال بجَهالَته: ما أعرِف هذا، وما أراهُ كان، وما أظُنُّ أنْ يكون، وأنَّى كان ولا أعرِف ذلِك، لِثِقَتِه برأيِه، وقِلَّةِ معْرِفَتهِ بجَهالَتهِ، فَما يَنْفَكُّ ممَّا يرى فِيما يَلْتَبِسُ علَيْه برأيه، ممَّا لا يَعرِفُ للجَهلِ مُسْتفيداً ولِلحقِّ مُنْكِراً، وفي اللَّجاجَة متجرِّئاً، وعن طلب العلم مسْتَكْبِراً.
يا بُنَيَّ فتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي، واجعَل نفسِك ميزاناً فِيما بينك وبين غَيْرِك، فأحْبِبْ لغَيْرِك ما تُحبُّ لنفسِك، واكْرَه له ما تَكْرَه لها، ولا تظْلِم كمَا لا تُحبُّ أنْ تُظْلَم، وأحْسِن كمَا تُحبُّ أنْ يُحْسَنَ إليْكَ، واسْتَقْبِحْ لِنفسِكَ ما تسْتَقْبِحُ من غَيْرِك، وارْضَ من النَّاس بما تَرْضَاه لهم مِن نفسك، ولا تَقُل ما لا تَعلَم، بل لا تَقُل كلَّ ما عَلِمْت، ممَّا لا تُحبُّ أنْ يُقال لَكَ.
واعلَم أنَّ الإعجابَ ضِدُّ الصَّوابِ وآفةُ الألبابِ فاسعَ في كَدْحِكَ، ولا تَكُنْ خازِناً لِغَيْرِكَ، وإذا هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أخْشَعَ ما تكونُ لِرَبِّكَ.
واعلم يا بُنَيَّ أنَّ أمامَك طريقاً ذا مَسافَة بعيدَةٍ ومَشَقّة شديدةٍ، وأهوالٍ شديدَةٍ، وأنَّه لا غِنى بِكَ فِيْهِ عَن حُسْنِ الإرتيادِ، وقَدِّرْ بلاغَكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ، فَلا تَحْمِلَنَّ على ظَهْرك فوْقَ بلاغِك فيكونُ ثقِيلًا ووَبالًا علَيْك، وإذا وجدْتَ مِن أهْلِ الفاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ زادَك إلى يوْم القِيامَةِ فيُوافِيكَ بِهِ غَداً، حَيْثُ تَحتاجُ إليْهِ فاغْتَنِمْهُ، وحَمِّلْهُ إيَّاهُ، واغْتَنِم مَنِ اسْتَقْرَضَكَ في حالِ غِناكَ، وجعَلَ يوم قضاءه لك في يَومِ عُسْرَتِكَ، وحمِّلْه إيَّاه، وأكْثِر مِن تَزْويدِهِ وأنت قادرٌ، فلَعلَّك تطلُبُه فلا تَجِدُهُ.
واعْلَم أنَّ أمامَك عَقَبَةً كَؤوداً المُخِفُّ فيها أحسنُ حالًا مِنَ المُثقلِ، والمُبْطئ عليها أقبحُ حالًا من المُسرعِ، وأنّ مهبطَكَ بها لا محالَةَ، علَى جنَّة أو نارٍ، فارْتَدْ