مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥٤٢ - ١٤٠ كتابه
ربّه في طلب طاعته، والرهبةِ مِنْ عُقوبتِهِ، والشَّفقةِ مِنْ سُخْطِهِ، فإنّهُ لم يأمرك إلّا بحسن، ولم ينهك إلّاعن قبيح.
وإنَّ أوَّل ما أبدؤك به من ذلِك وآخِرَه أنِّي أحْمَدُ اللَّه إلهَ الأوَّلين والآخِرين، وربَّ مَن في السَّماوات والأرضين، بما هو أهلُه، وكمَا يَجِبُ ويَنْبَغي له، ونَسْألُه أنْ يُصلِّي على محمَّد وآل محمَّد، صلَّى اللَّه علَيْهم وعلى أنبِياء اللَّه بصلاة جميعِ مَن صلَّى عليْه من خَلْقه، وأن يُتِمَّ نعمتَه علَيْنا بما وَفَّقَنا له من مسْألته بالاستجابَة لَنا، فإنَّ بِنعمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالحات.
يا بُنَيَّ إنِّي قَدْ أنْبَأتُك عن الدُّنيا وحالها وانتِقالِها وزَوالِها بأهلها، وأنبأتُك عن الآخِرة وما أعَدَّ اللَّه لأهلها فيها، وضَرَبْتُ لَكَ أمْثالًا لتَعْتَبِر بها وتَحْذُوا علَيْها.
إنَّما مَثَلُ مَن خَبَر الدُّنيا مَثَلُ قَوْم سَفْرٍ نَبا بِهِم مَنْزِلٌ جَدِيبٌ، فأمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وجَناباً مَرِيعاً فاحْتَمَلوا وَعْثاءَ الطَّريقِ، وفِراقَ الصَّدِيق، وخشُونَةَ السَّفَر في الطَّعام والمَنام وجُشُوبَةَ المَطْعَم؛ ليَأتُوا سَعَةَ دارِهم ومَنْزِلَ قَرارِهم، فلَيْسَ يَجِدون لشَيْء من ذلِك ألَماً، ولا يَرَوْن لِنَفَقةٍ مَغْرَماً، ولا شَيْء أحَبُّ إليْهم ممَّا قرَّبهم من منْزِلهم، ومَثَلُ مَن اغترَّ بها كقوْم كانوا في منْزل خَصِيبٍ فنَبَا بِهم إلى منْزِل جَدِيب، فليْس شَيْءٌ أكْرَه إليْهم ولا أفْظَعَ عندهم من مُفارَقَة ما هم فيْه، إلى ما يَهْجُمُون علَيْه ويَصِيرون إليْه.
ثُمَّ فَزَعْتُك بأنْواع الجَهالاتِ، لئَلَّا تعُدَّ نفسَك عالِماً، لأنَّ العالم مَن عرَف أنَّ ما يَعْلَمُ فِيما لا يَعْلَمُ قَلِيلٌ، فَعَدَّ نفسَه بذلِك جاهِلًا، وازْدادَ بما عرَف من ذلِك في طلب العِلم اجتهاداً، فما يَزالُ للْعِلم طالِباً، وفيه راغبِاً، ولَه مسْتَفِيداً، ولأهلِه خاشِعاً، ولرأيه مُتَّهِماً، وللصَّمْتِ لازِماً، وللخطأ جاحِداً، ومنه مُسْتَحِيياً، وإنْ وَرَدَ عليْه مالا يعرِفُ لم يُنْكِر ذلِك، لِما قَرَّر به نفسَه من الجِهالة، وإنَّ الجاهل مَن عَدَّ