نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦
أو يريد إسقاط حقّ ثابت و إليك التوضيح:
إنّ المدّعي و المنكر من المفاهيم العرفية غير المختصّة بالمسلمين بل هما موجودان في جميع الشعوب فهؤلاء بفطرتهم يميّزون المدّعي عن المنكر ولا يتوقفون في قضائهم على إعمال واحد من هذه الموازين ولو أردنا أن نصوغ فطرتهم في قالب لفظي فلنا أن نقول: المدّعي من يدّعي إثبات حقّ أو إسقاط حقّ ثابت، فمن ادّعى شيئاًمن ذلك، فعليه الإثبات ولعلّ التعريف الأخير أسد التعاريف حيث قال : المدّعي من يطلب منه البيّنة والمراد منها هو الدليل و ذلك انتقالاً من عالم التكوين إلى عالم الادّعاء، فكما أنّ وجود كلّ ممكن ثبوتاً رهن علّة و محدث، فهكذا ادّعاء حدوث حادث لم يكن له سبق، رهن دليل فمن ادّعى طروء أمر جديد فعليه الإثبات فلا يقبل قوله إلاّ معه، وقد نقل عن الشيخ الرئيس أنّه قال: إنّ من قبل قول المدّعي بلا دليل، فقد خرج عن الفطرة الإنسانية وعلى هذه الفطرة جرى الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث قال: البيّنة على المدّعي[١]وأمّا المنكر فلا يحتاج إلى الدليل لأنّه لا يدّعي شيئاً، بل يتلقّى قول المدّعي قولاً بلا دليل.
وبالجملة إنّ المدّعي يريد تغيير الوضع الحاضر و المنكر ممسك به، فالأوّل هو المدّعي و عليه الدليل حسب الطبع، فما لميأت بدليل فالمنكر على ما هوعليه.
نعم ربّما دلّ الدليل بالاكتفاء باليمين في مورد المدّعى مكان البيّنة و ذلك لا يخرجه عن كونه مدّعياً و ذلك لأدلّة خاصّة ومن ذلك دعوى الودعي ردّ الوديعة، ودعوى الأمين تلف المال، ومدّعي صحّة البيع مع ادّعاء الآخر، الفساد فيقبل قول مدّعي الصحّة بيمينه كلّ ذلك لأجل دليل خاصّ ولولاه كان على كلّ من يدّعي إثبات حقّ، أو إسقاط حقّ ثابت، إقامة الدليل وهي البيّنة ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع التعريف الأخير من أنّ المدّعي من يطلب منه البيّنة.
[١] الوسائل : الجزء١٨ ، الباب ٨ من أبواب كيفية الحكم، الحديث ٣.