نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤١
ادّعى تعمد الكذب الذي نحتمل كذبه في تكذيبه.
الصورة الخامسة: لو رجعوا بعد الحكم و تسليم المال للمحكوم له و لكن العين قائمة.
وهذه الصورة نفس الصورة الثانية و يختلفان في تلف المال فيها دون المقام.
فقال المحقّق: الأصح أنّه لا يُنقض و لا تستعاد العين. وهو مختار الشيخ في المبسوط حيث قال: و أمّا إن رجعوا بعد الحكم و بعد الاستيفاء أيضاً لم ينقض حكمه بلا خلاف إلاّ سعيد بن المسيب والأوزاعي فإنّهما قالا: ينقض والأوّل أصحّ.[١]و خالف في النهاية حيث قال: و إن كان رجوعهما بعد حكم الحاكم غُرّما ما شهدا به ، إذا لم يكن الشيء قائماً بعينه، فإن كان الشيء قائماًبعينه ردّعلى صاحبه و لم يلزما شيئاً.[٢]
وقال ابن إدريس: و من شهدا على رجل، ثم رجعا قبل أن يحكم الحاكم طُرحت شهادتُهما ولم يُلزَما شيئاً ، بل يتوقف الحاكم عن إنفاذ الحكم، و إن كان رجوعهما بعد حكم الحاكم، غُرّما ما شهدا به سواء كان الشيء قائماًبعينه أم لم يكن كذلك، ثمّ نقل فتوى الشيخ عن النهاية و أورد عليه أنّ إجماع أصحابنا منعقد على أنّه إن رجع الشهود بعد حكم الحاكم، لا يلتفت إلى رجوعهما فيما حكم، ولا يُنقض حكمه، لأنّ حكمَه مقطوع من جهة الشرع على صحّته، و رجوعهما يحتمل الصدق و الكذب فلا يُرجَع عن أمر مقطوع على صحّته بأمر مشكوك فيه محتمل.[٣]
و لعل الشيخ في النهاية اعتمد على ما رواه جميل في شاهد الزور الذي علم كذبه في شهادته و أين هو من الراجع الذي يصف شهادته بالخطأ و الاشتباه أو بالتعمد بالكذب الذي يمكن كذبه في هذا التكذيب؟!
و المعتمد ـ مضافاً إلى ما ذكره ابن إدريس ـ هو مرسل جميل الذي يُفرِّق بين كون الرجوع قبل الحكم و بعده، كما مرّ.
فتخلص من هذا البحث أيضاً أنّ المسألة في غير الحدود ذاتُ صورتين لأنّ الرجوع إن كان قبل الحكم، طُرحت شهادتهما و إلاّفلا يُنقض الحكم، سواء كان قبل الاستيفاء أو بعده و على فرض الاستيفاء سواء كان الرجوع قبل التلف أو بعده و أمّا الحدود فينقض الحكم فيها حتى بعد الحكم.
[١] الطوسي: المبسوط: ٨/٢٤٦.
[٢] الطوسي: النهاية: ٣٣٦.
[٣] ابن إدريس: السرائر: ٢/[١٤٧] . ١٤٨.