نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٠
يتهاون في أمرها، و ذلك لأنّ ركوب أيّةِ معصية بتلك النيّة طغيان على اللّه واستهانة بأمره، بل الآية تعرب عن لطفه و امتنانه على عباده، بأنّ اجتناب بعض المعاصي يُكفِّر عن البعض الآخر، حتّى يهتمّوا باجتنابه، ليغفر البعض الآخر، على فرض ارتكابه، وأين هذا من فسح المجال لارتكاب الصغائر و لو تمّ التوهم، لتمّ في التوبة أيضاً قال سبحانه: «قُلْ يا عبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنفُسِهم لا تَقْنَطُوا مِنْ رحمةِ اللّهِ إنّ اللّهَ يغفرُ الذُّنوبَ جَمِيعاً إنّهُ هو الغفورُ الرَّحيم» (الزمر/٥٣).
والآية تدل بوضوح على أنّ المخاطبين إمّا كانوا عالمين قبل نزولها و مميّزين كبار المعاصي عن صغائرها أو أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عرّفها لهم بعد نزولها لغاية السعي في ترك الكبائر المكفِّرة عن الصغائر.
وبذلك يعلم أيضاً بطلان ما نقل عن المعتزلة من أنّ في تعريف الصغائر إغراءً بالمعصية، لأنّه إذا علم المكلّف بأنّه لا ضرر في فعلها ، ودعته الشهوة إليها، فعلها. [١]وذلك لأنّ مفاد الآية بصيصُ رجاء لمن لا يرتدع عن المعاصي لغاية إيقافه عن ارتكاب الكبائر ليغفر صغائره و ليست الآية بصدد الدعوة إلى ارتكاب صغائر الذنوب كما أنّ التوبة والشفاعة ليستا داعيتين إلى اقتراف المعاصي.
٢ـ قال سبحانه: «وَوُضِعَ الكتابُ فَتَرى المُجرِمينَ مُشفِقينَ مِمّا فيهِ و يقُولُونَ يا ويلَتَنا ما لِهذا الكتابِ لا يُغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها» (الكهف/٤٩) والإشفاق و الخوف ممّا في الكتاب، دليل على أنّ المراد مما فيه، هو صغائر الذنوب و كبائرها .
٣ـ قال سبحانه: «والّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كبائرَ الإثْمِ و الفَواحِشَ و إذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون»(الشورى/٣٧) و الفواحش هي أقبح القبيح، فيكون مساوياً «لكبائر الإثم» وعلى ذلك تكون الفاحشة على قسم واحد، وأمّا الإثم فهو ينقسم
[١] الطبرسي، مجمع البيان:٢/٣٨ في تفسير الآية.