نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٩
العادل الذي صدرت منه المعصية نادراً فإذا تاب يزول المانع و تؤثر العدالة المخزونة في النفس لا في المشهور بالفسق.
نعم لو دلّ الدليل في مورد على أنّ مجرّد التوبة كاف في قبول شهادة الشاهد نأخذ به و لكن ليس هناك دليل عليه إلاّ ما ورد في مورد القذف من الروايات التي جمعها الشيخ الحر في الباب ٣٦ من أبواب الشهادات فإن تمّت دلالتها نأخذ بها و إلاّ فالكتاب هو المحكّم فإنّ الظاهر منه عدم كفاية التوبة و لزوم مشاهدة الصلاح في أفعاله بعد التوبة قال سبحانه: «إلاّ الّذينَ تابُوا مِن بعد ذلكَ و أصلحُوا فإنّ اللّهَ غفورٌ رحِيم» (النور/٥).
ويمكن الجمع بين مفاد الآية والروايات الدالة على قبول توبته، بأنّها وردت لردّ الفكرة الخاطئة في عصر صدور الروايات حيث كان الناس يقولون: «توبة القاذف فيما بينه و بين اللّه و لا تقبل شهادته أبداً»[١]فلما سُئلوا ـ عليهم السَّلام ـ عن قبول توبته قالوا بقبول توبته ناويين ردّ هذه الفكرة و أمّا أنّه هل تكفي التوبة أو يشترط الصلاح في العمل حتى يتّصف بالعدالة فليست الروايات بصدد بيان أحد الأمرين.
هذا ما يرجع إلى نفس المسألة وأمّا ما هو حقيقة التوبة وما شرائطها فإنّما يطلب لنفسه مجالاً خاصاً حتى نذكر فيه آراء الفقهاء و المتكلفين وعلماء الأخلاق فلنقتصر بما أفاده شيخنا الشهيد في المسالك[٢]قال: أمّا التوبة الواقعية (التوبة المنقذة من النار) فهي عبارة عن الندم على ما مضى و يترك مثله في الحال و يعزم على أن لا يعود عليه، ثمّ إذا كانت المعصية لايتعلّق بها حقّ اللّه تعالى ولا العباد فتكفي التوبة ولا شيء عليه سوى ذلك، وإن تعلّق بها حقّ مالي كمنع الزكاة و الغصب و الجنايات في أموال الناس فتجب مع ذلك تبرئة الذمة منه، و هل إبراء
[١] الوسائل:الجزء١٨، الباب ٣٦ من أبواب الشهادات، الحديث ٢.
[٢] زين الدين العاملي، المسالك :٢/٤٥٥.