الواضح في شرح العروة الوثقى - ط آل البيت - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦٤ - دعوى انصراف صحاح القضاء كلها إلى البلد القريب بحسب الفهم العرفي
وهذا أمر عرفيّ وجدانيّ ، يكون تحت إدراك الإنسان بما أنّه مدرك للحقائق العرفيّة وجداناً ، بالذوق الدقيق الذي لا يمكن أن يعارضه أو يزاحمه أيّ شيء .
ويختلف بحسب المقامات والأحوال كالقرائن الدالّة على المجازات ، لا يكاد ينحصر تحت عدّ ولا ينضبط تحت ضابطة .
إذا عرفت هذا فنقول بعد ملاحظة تسجيل أذهان المجتمع الإسلاميّ على لزوم الرؤية في دخول شهر رمضان أو إتمام ثلاثين ، تبعاً لسنّة الرسول الأعظم ٦ والبناء عليهما بلا نكير بين الفريقين ، وبعد ملاحظة تباعد البلاد بعضها عن بعض زماناً ، خصوصاً في تلك الأزمنة ، وعدم وصول الأخبار إلى الأقطار بتّاً ، أو وصولها بعد نصب وتعب ومضيّ زمان بعيد إذا ألقى الإمام ٧ بأنّه ( إذا شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه ) لا يفهم العرف إلاّ البلد القريب الذي يمكن جعل الرؤية فيه رؤية في بلده بالحكومة ، وتوسيع دائرة الرؤية بالنسبة إليه بمناط اتّحاد المكان من حيث وجود الهلال فوق الأُفق ، وأنّ المانع من الرؤية شيء عارضيّ ، كما أنّه في البلدة الواحدة إذا اتّسعت شرقاً وغرباً تحقق الرؤية في نقطة منها كاف للحكم بالرؤية في حقّ الجميع ، وذلك لمكان وحدة المكان خارجاً عند العرف .
فالإمام ٧ يريد أن يوسّع دائرة اتّحاد المكان في الرؤية بنحو الحكومة والاعتبار التشريعيّ ، ولا يريد نقض قوله ٦ : « صُوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » .
وهذا الاعتبار بالنسبة إلى البلاد القريبة التي يكون القمر فيها فوق الأُفق ، له مجال صحيح عند العرف ، وأمّا بالنسبة إلى البلاد البعيدة التي لم يكن القمر فيها فوق الاُفق فهو بمنزلة هدم أساس الرؤية وإنكارها من رأس فلا يكاد يفهمه العرف .
مثلاً إذا قال الطيب للمريض : ( اشرب دواءً فلانيّاً ولا تجاوز عنه » فهل يمكن له أن يقول ثانياً « اشرب أي دواء شئت وخذ من الصيدليّ أيّة حبّة تريد ؟ » فلا يستحسنه الذوق السليم .
فإذن كلّ ما أجاز الطبيب من دواء ظاهره الاطلاق ، يحمله العرف على الأدوية المتقاربة للدواء المعيّن مزاجاً وخاصّيّةً .