الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٢٦ - ٢ - هوية الكتاب
أفلاطون و أرسطوطاليس النبع الأصيل للفكر الفلسفي، أن يؤكد تطابق أفكارهما كي يؤدي هذا التطابق إلى الغاية المطلوبة من أن (الفلسفة الحقّة) لا يختلف في أمرها علمان، مهما ظهر عليهما من وسائل التباين في المنهج و القصد.
إنّ إخلاص الفارابي في هذا الأمر بلغ حدّ العناد غير المرغوب فيه. و سبب هذا في تصورنا هو دعاوته إلى أن (السعادة القصوى) لا يمكن أن يتناقض فيها شخصان، و سبيل هذه السعادة هي الفلسفة، فكيف إذن يصحّ اختلاف أئمتها، و هم الرجال الخيرة طبعا و تطبعا! فهل حقّق الفارابي هذا الهدف في كتاب (الفلسفتين)؟ ليس من الصعب الإجابة عن هذا السؤال بكلمة: كلا.
و لكننا نضل سواء السبيل إذا نظرنا للموضوع بعين واحدة و أغمضنا الأخرى، فللفارابي طريقته في العرض الفلسفي مصحوبة بحرصه الشديد على منهجيته في التخطيط، و هما الأصلان الرئيسان في العملية الفكرية ككل.
و حتى لا يكون حديثنا على مستوى التجريد و التعميم، فإننا نصوغ سلسلة هذا التخطيط بشكل تقريبي يهدف في الأساس إلى إظهار القاعدة التي تؤدي إلى تحقيق السعادة المرغوبة في هذه الحياة و الحياة الأخرى، فنقول: إن كتاب تحصيل السعادة يعتبر مفتاحا لما يجب أن يسلكه طالب الفلسفة كفرد أو عضو في مجتمع متكافل متكامل، و تكافله و تكامله هذا لا يتمّ إلّا بشكل مرحلي يتدرج فيه من الأعمّ إلى الأخص. و عندئذ يتلو كتاب تحصيل السعادة كتاب (التنبيه على سبيل السعادة)- و التنبيه هو الشيء الذي لا يحتاج إلى برهان زائد على ما تقدم عليه من إيضاحات؛ و المتقدم هنا هو