التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - تمحيص الرأي المعارض
لمقابلة المصاحف عليها، ثمّ ردّه عليها، وكانت عندها إلى أن ماتت، فاستلبها مروان من ورثتها حينما كان واليا على المدينة من قبل معاوية، فأمر بها فشقّت.
وسنذكر كلّ ذلك بتفصيل.
تمحيص الرأي المعارض
ما قدّمناه هو المعروف عن رواة الآثار، وعند الباحثين عن شؤون القرآن، منذ الصدر الأوّل فإلى يومنا هذا، ويوشك أنّ يتّفق عليه كلمة أرباب السير والتواريخ. ولكن مع ذلك نجد من ينكر ذاك التفصيل في جمع القرآن، ويرى أنّ القرآن بنظمه القائم وترتيبه الحاضر كان قد حصل في حياة الرسول صلى الله عليه و آله.
وقد ذهب إلى هذا الرأي جماعة من علماء السلف كالقاضي أبيبكر بن الطيّب و أبوبكر ابن الأنباري والكرماني والطيبي،[١] ووافقهم علم الهدى السيد المرتضى قدسسره قال:
كان القرآن على عهده صلى الله عليه و آله مجموعا مؤلّفا على ما هو عليه الآن. واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عيّن جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنّه كان يعرض على النبيّ صلى الله عليه و آله ويتلى عليه.
وإنَّ جماعة من الصحابة مثل عبداللّه بنمسعود وأُبيّ بنكعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ صلى الله عليه و آله عدّة ختمات. وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعا مرتّبا غير مبتور ولامبثوث.[٢]
[١] - راجع: الإتقان، ج ١، ص ١٧٦.
وحاول الإمام بدرالدين الزركشي الوفاق بين الفريقين وأنّ الخلاف لفظي، نظرا لأنّ القائل بالتوقيفيّة في ترتيب السور، يعنى: أنّه رُمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته. ولهذا قال الإمام مالك: إنّما ألّفوه على ما وعوه عن النبيّ صلى الله عليه و آله. مع قوله بأنّ ترتيب السور اجتهاد منهم. فآل الخلاف إلى أنّه: هل ذلك بتوقيف قوليّ أم بمجرّد استنادٍ فعليّ وبحيث بقي لهم فيه مجال للنظر. راجع: البرهان، ج ١، ص ٢٥٧.
قلت: ويمكن حمل كلام السيّد أيضا على إرادة اكتمال السُّور من غير أن تكون آيها متفرّقة مبثوثة!
[٢] - مجمع البيان، ج ١، ص ١٥.