التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٢ - بدء نزول القرآن
على أنّ البعثة كانت في رجب، ولاشكّ أنّ البعثة كانت مقرونة بنزول آي من القرآن:
خمس آيات من أوّل سورة العلق. فكيف يتمّ ذلك مع القول بنزول القرآن- كلّه أو بدء نزوله- في شهر رمضان في ليلة القدر؟
ثانيا: ماذا يكون المقصود من نزول القرآن في ليلة واحدة هي ليلة القدر؟ هل نزل القرآن كلّه جملة واحدة تلك الليلة؟ مع العلم أنّ القرآن نزل نجوما لفترة عشرين أو ثلاث وعشرين عاما، حسب المناسبات والظروف المختلفة، ودعيت باسم «أسباب النزول»، فكيف ذلك؟
ثالثا: ما هي أوّل آية أو سورة نزلت من القرآن، فإن كانت هي سورة العلق أو آي منها، فلم سُمّيت سورة الحمد بفاتحة الكتاب؟ إذ ليس المعنى: أنّها كتبت في بدء المصحف! لأنّ هذا الترتيب شيء حصل بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله أو لاأقل في عهد متأخّر من حياته- فرضا- في حين أنّها كانت تسمّى بفاتحة الكتاب منذ بداية نزولها: «لاصلاة إِلّا بفاتحة الكتاب»[١] حديث مأثور عن لسان النبيّ صلى الله عليه و آله!
وللإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة- بصورة إجماليّة- نقول: إنَّ بدء البعثة يختلف عن بدء نزول القرآن ككتاب سماويّ. لأنّه صلى الله عليه و آله نبّىء ولم يؤْمَر بالتبليغ العام إلّا بعد ثلاث سنوات، كان خلالها يدعو في اختفاء حتى نزلت الآية: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ».[٢] ومن هذا الحين جعل القرآن ينزل تباعا، بسمة كونه كتابا انزل من السماء وكان يسجّل على العسب واللخاف، يكتبه من كان يعرف الكتابة من المؤمنين، وهم عدد قليل، خلال عشرين عاما.
وقد كان بدء نزول القرآن- بعد تلك الفترة- في ليلة القدر من شهر رمضان. وبهذاالاعتبار صحّ التعبير بأنّ القرآن نزل في ليلة القدر، وإن كان نزوله تباعا استغرق عشرين عاما. إذ كلّ حدث خطير تكون له مدّة وامتداد، فإنّ تاريخه يسجّل حسب مبدأ شروعه،
[١] - صحيح مسلم، ج ٢، ص ٩؛ ومنتخب كنزالعمال بهامش المسند، ج ٣، ص ١٨٠.
[٢] - الحجر ٩٤: ١٥.