التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - موقف النبي من الوحي
قال الأُستاذ الزرقاني: وبهذه التجربة ثبت لي ماقرب إلى الوحي فهما عمليّا، فالوحي اتصال روحيّ يتأثّر الموحى إليه بما يلقي إليه الموحي في حالة يتسلّخ من الرسول صلى الله عليه و آله حالته العاديّة، ويظهر أثر التغيّر عليه، ويستغرق في الأخذ والتلقّي، وينطبع ماتلقّاه في نفسه، حتى إذا انجلى عنه الوحي وعاد إلى حالته الأُولى، وجد ماتلقّاه ماثلًا في نفسه، حاضرا في قلبه، كأنّما كتب في صحيفة فؤادة كتابا.
ثمّ يقول: أتظنّ أنّ المخلوق يستطيع التأثير في نفس مخلوق آخر ذلك التأثير الغريب، ولايستطيع مالك القوى والقدر أن يؤثّر في نفس من شاء من عباده بواسطة الوحي؟ كلا ثمّ كلا، إنّه على كلّ شيء قدير.[١]
أقول: ونحن إذ لانسلّم بجميع التفاصيل التي جاءت بها طريقة التنويم المغناطيسي، ولانصدّق بجميع مظاهرها بصورة مطلقة، إِذ لاتخلوا أحيانا عن الشعوذة لكنّا نعترف بصحّتها وإمكانها في الجملة، ومن ثمّ فباستطاعة هذه الطريقة العلميّة الحديثة المعترف بها إجماليا، إثبات ظاهرة الوحي- ولو إجماليا- وفي هذا كفاية على نحو الإيجاب الجزئي.
موقف النبيّ من الوحي
هنا موضوعان لهما أهميّة كبيرة بشأن رسالة الأنبياء وصدق دعوتهم إلى اللّه، لابدّ من معالجتهما بصورة علميّة مقبولة. وقد تكلّم فيهما عامّة أهل السنّة بطريقة غير مألوفة، وربّما لايستسيغها العقل الفطري في شيء. أمّا علماؤنا الإماميّة فتكلّموا فيهما بطريقة عقليّة على أساس الاستدلال البرهاني مدعما بالنقل المأثور عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام:
الأوّل: كيف عرف النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه مبعوث؟ وَلِمَ لم يشكّ في أنّ الذي أتاه شيطان، واطمأنّ أنّه جبرائيل؟
الثاني: هل يجوز على النبيّ صلى الله عليه و آله أن يخطأ فيما يوحى إليه، فيلتبس عليه تخيّلات
[١] - مناهل العرفان، ج ١، ص ٦٧.