التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - وقفة عند مسألة الوحي
رأس، متذرّعين بحجة تباعد مابين العالمين، العالم العلوي والعالم السفلي، ذاك ناصع بيضاء لطيف، وهذا منكدر ظلماء كثيف، وإذ لا رابط بين نور وظلمة، ولاصلة بين لطيف وكثيف، فلا علقة تربط أحدَ العالمين بالآخر، لكن إذا ماعرفنا من هذا الإنسان وجودا برزخيا ذا جانبين، هو من أحدهما جسمانيّ كثيف، وفيه خصائص المادّة السفلى. ومن جانبه الآخر روحاني لطيف، وهو ملكوتيّ رفيع، لم يكن موقع لهذه الشبهة رأسا.
الإنسان وراء شخصيّته هذه الظاهرة، شخصيّة أُخرى باطنة، هي التي تؤهّله- أحيانا- للارتباط مع عالم روحاني أعلى، إذ كان مبدؤه منه وإليه منتهاه: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»[١] هذا هو واقع الإنسان الحقيقي، ذوالتركيب المزدوج من روح وجسم، ومن ثمّ فهو برزخ بين عالمي المادّة وماوراء المادّة، فمن جهة هو مرتبط بالسماء ومن أُخرى مستوثق بالأرض. قال تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً» إلى هنا تكتمل خلقة الإنسان الماديّة، ثمّ يقول: «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ».[٢] وهذا الخلق الآخر هو وجود الإنسال الروحي، وهو وجوده الأصيل. الذي أشارت إليه آية اخرى: «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ».[٣] قال الإمام الصادق عليه السلام «إنّ اللّه خلق خلقا وخلق روحا. ثمّ أمر ملكا فنفخ فيه ...».[٤] فهذا هوالإنسان، مخلوق متركّب من جسم هو مادّي، وروح هو لامادّي، فبوجوده المادّي خلق، وبوجوده اللّا مادّي خلق آخر. وبوجوده هذا الآخر يستأهل للاتصال بالملأ الأعلى، لابوجوده ذاك المادي الكثيف.
نعم جاءت فكرة إنكار الوحي، نتيجة للنظرة الماديّة البحتة إلى هذا الإنسان، وهي نظرة قاصرة بشأن الإنسال، سادت اروبا في عصر نشوء الفكرة الماديّة عن الحياة، والتي جعلت تتقدّم وتتوسّع كلّما تقدّمت العلوم الصناعيّة في القرنين الثامنعشر والتاسععشر، وأخذت المقاييس المعنويّة في الحياة تتدهور تراجعا إلى الوراء. وكادت الموجة تطبق
[١] - البقرة ١٥٦: ٢.
[٢] - المؤمنون ١٢: ٢٣- ١٤.
[٣] - السجدة ٧: ٣٢- ٩.
[٤] - بحار الأنوار، ج ٦١، ص ٣٢، ح ٥.