التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٣ - منجزات المشروع
اجتازت هذه المراحل- ولكنّها في شيء من التساهل وإهمال جانب الدقّة الكاملة، ولاسيّما في المرحلة الثالثة التي كانت بحاجة شديدة إلى اهتمام أكثر.
ففي مرحلة جمع المصاحف وإمحائها فقد أرسل عثمان إلى كلّ افق من يجمع المصاحف أو الصحف التي فيها قرآن وأمر بها أن تحرق.[١]
قال اليعقوبي: وكتب في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت، ثمّ سلقها بالماء الحارّ والخلّ. وقيل: أحرقها. فلم يبق مصحف إِلّا فعل به ذلك، خلا مصحف ابنمسعود، فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبداللّه بنعامر. فكتب إليه عثمان أن أشخصه. فدخل ابن مسعود المسجد وعثمان يخطب، فقال عثمان: إنّه قد قدمت عليكم دابّة سوء. فكلّم ابن مسعود بكلام غليظ. فأمر به عثمان فجرّ برجله حتى كسر له ضلعان، فتكلّمت عائشة وقالت قولًا كثيرا.[٢]
وفي المرحلة الثانية، كان عثمان في بدء الأمر زعمها هيّنة، ومن ثمّ اختارلها جماعة غير أكفاء، ثمّ لجأ أخيرا إلى جماعة آخرين وفيهم الأكفاء مثل سيّد القرّاء[٣] الصحابي الكبير ابيّ بنكعب. كما وأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت حفصة، وهي الصحف التي جمع فيها القرآن أيام أبيبكر. فطلبها لتكون سندا وثيقا للمقابلة عليها والاستنساخ منها. فأبت حفصة لأوّل أمرها أن تدفعها إليه، ولعلّها خافت أن تأخذ مصيره إلى الحرق والتمزيق كسائر المصاحف! حتى عاهدها عثمان ليردّنها فبعثت بها إليه.[٤]
وهكذا وجّه نداءً عامّا إلى كافّة المسلمين: عزمت على من عنده شيمن القرآن سمعه من رسولاللّه صلى الله عليه و آله لما أتاني به.[٥]
[١] - صحيح البخاري، ج ٦، ص ٢٢٦.
[٢] - تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٥٩- ١٦٠.
[٣] - تهذيب التهذيب: ج ١، ص ١٨٧؛ والطبقات: ج ٣، ص ٦٢.
[٤] - المصاحف، ص ٩؛ وصحيح البخاري، ج ٦، ص ٢٢٦.
[٥] - المصاحف، ص ٢٤.