التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٩ - النبوة مقرونة بدلائل نيرة
باطلة في نفسه لتبدو له بصورة وحي، أويلقي عليه ابليس مايظنّه وحيا من اللّه؟
والأكثر في الموضوع الأوّل جعلوا من النبيّ صلى الله عليه و آله مرتاعا في أوّل أمره، خائفا على نفسه من مسّ جنون، عائذا إلى أحضان زوجه الوفيّة، لتستنجد هي بدورها إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل، فيطمئنّه هذا بأنّه نبيّ ويؤكّد عليه ذلك حتى يطمئن ويستريح باله.
أمّا الموضوع الثاني فقد أجازوا الإبليس أن يتلاعب بوحي السماء فيلقي على النبيّ مايظنّه وحيا- كما في حديث الغرانيق- لولا أن يتداركه جبرائيل فيذهب بكيد الشيطان.
وقد ذهب أئمّة أهل البيت عليهم السلام في كلا الموضوعين مذهبا نزيها، وجعلوا من النبيّ صلى الله عليه و آله أكرم على اللّه من أن يتركه إلى إنسان غيره ولاينير عليه الدلائل الواضحة على نبوّته الكريمة في تلك الساعة الحرجة. كما لايدع للشيطان أن يستحوذ على مشاعر نبيّه الكريم: «وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ».[١]
هذا ... ويجدر بنا ونحن نحاول تنزيه جانب رسولاللّه صلى الله عليه و آله ممّا ألصقوه بكرامته، أنّ نتكلّم في كلا المجالين بصورة مستوفاة، كلًّا على حدة.
النبوّة مقرونة بدلائل نيّرة
يجب على اللّه- وجوبا منبعثا من مقام لطفه ورأفته بعباده- أن يقرن تنبيئه إنسانا بدلائل نيّرة لاتدع لمسارب الشّك مجالًا في نفسه، كما أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، ليكون من الموقنين.[٢] وكما «نوديَ يامُوسى. إِنّي أَنا رَبُّكَّ»[٣] «يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»[٤] «يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ».[٥]
هذا هو مقتضى قاعدة اللطف، وقد بحث عنها علماء الكلام،[٦] وتتلخّص في تمهيد سبيل الطاعة. فواجب عليه تعالى أن يمهّد لعباده جميع مايقرّبهم إلى الطاعة ويبعدهم عن
[١] - الطور ٤٨: ٥٢.
[٢] - مقتبس من الآية ٧٥ من سورة الأنعام.
[٣] - طه ١١: ٢٠- ١٢.
[٤] - النمل ٩: ٢٧.
[٥] - النمل ١٠: ٢٧.
[٦] - علم منشعب عن الفلسفة الحكميّة، يبحث عن أحوال المبدأ والمعاد في ضوء العقل وإرشاد الشريعة.