التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١١ - ٩ - سورة النحل مكية
الثاني: أنّها نزلت يوم الفتح، فهمّ المسلمون أن يقعوا في المشركين، ويقتلوهم شرّ قتلة، تشفّيا بما كانوا فعلوا بهم يوم احد: كان قد اصيب من الأنصار يومذاك أربعة وستون.
ومن المهاجرين ستة منهم حمزة بن عبدالمطلب، وقد مثّل بهم المشركون! فقالت الأنصار:
لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم، فلمّا كان يوم فتح مكة، وأمكن اللّه المسلمين من المشركين، نزلت الآية للأخذ من حدّة المسلمين، وأن لايتجاوزوا حدود ما أنزل اللّه!
الثالث: أنّها عامّة في كلّ ظلم، يحاول المظلوم الانتقام من الظالم، بعد ما يمكّنه اللّه منه.
وهذه الآية جاءت مزيجة بين الانتقام العادل والصفح الجميل، الأمر الذي يتناسب مع حالة المسلمين يوم كانوا بمكة. ومن ثمّ قالوا: إنّها منسوخة بآية القتال. وهي نظيرة قوله تعالى: «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» وقوله:
«فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ»[١] نزلت أوائل عهد المسلمين بالمدينة.
وهذا الرأي الأخير هو الصحيح، نظرا إلى سياق الآية نفسها، ومناسبتها الوثيقة مع آيات قبلها وبعدها:
قال تعالى: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...».
«وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ...». «وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ».[٢]
وهذه الآية جاءت تصبّر النبيّ صلى الله عليه و آله على أذى المشركين وتسلّيه عن حزنه عليهم لاحزنه منهم، وهو دليل على أنّ الآية نزلت يوم كان المشركون صمودا تجاه دعاء النبيّ صلى الله عليه و آله ومتعرّضين أذاه. وكانت نفوس مؤمنة تأبى تحمّل الضيم، وتحاول الانتقام منهم مهما كلّف الأمر.[٣]
[١] - البقرة ١٩٠: ٢ و ١٩١.
[٢] - النحل ١٢٥: ١٦ و ١٢٦ و ١٢٧.
[٣] - راجع: مجمع البيان، ج ٦، ص ٣٩٣؛ والدرّ المنثور، ج ٤، ص ١٣٥.