التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٧ - أول من شكل المصحف
حكى أبو أحمد العسكري[١] أنّ الناس غبروا يقرأون في مصحف عثمان نيفا وأربعين سنة إلى أيّام عبدالملك بنمروان، ثمّ كثر التصحيف وانتشر بالعراق، ففزع الحجاج بنيوسف إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات. فيقال: إنّ نصر بنعاصم قام بذلك فوضع النقط أفرادا وأزواجا وخالف بين أماكنها ...[٢]
وقال الأُستاذ الزرقاني: أوّل من نقّط المصحف هو يحيى بنيعمر ونصر بنعاصم تلميذا أبي الأسود الدؤلي.[٣]
أوّل من شكّل المصحف
وهكذا كان الخطّ العربيّ آنذاك مجرّدا عن التشكيل (علائم حركة الكلمة وإعرابها) وبطبيعة الحال كان المصحف الشريف خلوا عن كلّ علامة تشير إلى حركة الكلمة أو إعرابها.
بيد أنّ القرآن في الصدر الأوّل كان محفوظا في صدور الرجال ومأمونا عليه من الخطأ واللحن، بسبب أنّ العرب كانت تقرؤه صحيحا حسب سليقتها الفطريّة التي كانت محفوظة لحدّ ذاك الوقت. أضف إلى ذلك شدّة عنايتهم بالأخذ والتلقّي عن مشايخ كانوا قريبي العهد بعصر النبوّة. فقد توفّرت الدواعي على حفظه وضبطه صحيحا حينذاك.
أمّا وبعد منتصف القرن الأوّل حيث كثر الدخلاء وهم أجانب عن اللغة فإنّ السليقة كانت تعوزهم، فكانوا بأمسّ حاجة إلى وضع علائم ودلالات تؤمّن عليهم الخطأ واللحن.
مثلًا: لفظة «كتب» كانت العرب تعرف بسليقتها الذاتيّة، أنّها في قوله تعالى: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»[٤] تقرأ مبنيّا للفاعل، وفي قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ»[٥] مبنيّا
[١] - في كتاب التصحيف، ص ١٣.
[٢] - وفيات الأعيان، ج ٢، ص ٣٢ في ترجمة الحجاج.
[٣] - مناهل العرفان، ج ١، ص ٤٠٦.
[٤] - الأنعام ٥٤: ٦.
[٥] - البقرة ١٨٣: ٢.