التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٧ - ٣ - تهافته مع آي السورة
وأيضا فلولا العصمة الملحوظة في أداء رسالة اللّه، لزالت الثقة بالدين، ولأخذت الشكوك مواضعها من أحكام وتكاليف وشرائع يبلّغها النبيّ صلى الله عليه و آله عن اللّه تعالى!!
وامتدادا لجانب عصمته صلى الله عليه و آله وأن لاسبيل لإبليس إلى شأن من شؤونه المعتصمة بعصمة اللّه تعالى، قال: «من رآني فقد رآني فإنّ الشيطان لايتمثّل بي».[١] وقد فهم العلماء من هذا الحديث قاعدة كليّة: لايستطيع إبليس التمثّل بأيّ وليّ من أولياء اللّه العباد المخلصين، وبالأحرى: عدم استطاعته التمثّل بجبرائيل، ملك الوحي المقرّب الأمين!!
إذن فأنّى لإبليس التلاعب بوحي السماء، أو أن ينتحل صورة رسول من رسل اللّه الأكرمين! كلّا، «لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ».[٢]
٣- تهافته مع آي السورة
قال القاضي عياض- أيضا: «ووجه ثان، وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أنّ هذا الكلام لوكان- كما روي- لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذمّ، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبيّ صلى الله عليه و آله ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممّن يخفى عليه ذلك. وهذا لايخفى على أدنى متأمّل، فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه».[٣]
أفهل يتصوّر بشأن النبيّ محمد صلى الله عليه و آله وهو العارف بمواقع الكلام، الناقد لأفصح أقوال العرب الفصحاء، أن يلتبس عليه شأن كلام ساقط، لايتناسب وسائر جمل وآيات كانت تنزل عليه حينذاك؟! أم كيف ينسجم ماذكروه مع قوله تعالى: «إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ»[٤] أم كيف يقتنع المشركون- وهم أهل نقد وفصاحة- بتلك المجاملة المفضوحة: يقترن مدح مشكوك، بذلك القدح الصارم، ليأخذوه تقاربا
[١] - صحيح مسلم، ج ٧، ص ٥٤.
[٢] - الصافات ٨: ٣٧.
[٣] - الشفا، ج ٢، ص ١١٩.
[٤] - النجم ٢٣: ٥٣.