التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٢ - الطريق إلى معرفة أسباب النزول
هذا .. وقد أحسّ السيوطي نفسه بالوهن المذكور، ومن ثمّ لجأ إلى افتراض نزول الآيات ثلاث مرّات: قبل الهجرة، وبعدها بأُحد، ثمّ يوم الفتح بمكة.[١]
ويزيد في الطين بلّة، وجود أمثال هذه الغرائب في المدوّنات الحديثية الكبرى أمثال البخاري ومسلم وغيرهما ممّا زعمه القوم أصحّ كتب الحديث، لكنّها رغم هذا الزعم مليئة بهكذا أساطير لاتلتئم مع قدسية الإسلام.
وقد أسبقنا الحديث عن اسطورة الغرانيق، وقصة ابن نوفل، ممّا صحّحه القوم، وهي تمسّ كرامة القرآن وقدسيّة مقام النبوّة. وإليك نموذجا آخر: قال السيوطي: وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة في مسنده والواحدي وغيرهم بسند فيه من لايعرَف، عن حفص بن ميسرة القرشي عن امّه عن امّها خولة وقد كانت خادم رسولاللّه صلى الله عليه و آله أنّ جروا دخل بيت النبيّ صلى الله عليه و آله فدخل تحت السرير فمات، فمكث النبيّ صلى الله عليه و آله أربعة أيام لاينزل عليه الوحي، فقال: ياخولة، ماحدث في بيت رسولاللّه صلى الله عليه و آله جبرائيل مايأتيني؟ فقلت في نفسي: لوهيّأت البيت فكنسته. فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو. فجاء النبيّ صلى الله عليه و آله وترتعد لحياه، وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرّعدة، فأنزل اللّه: «وَ الضُّحى- إلى قوله- فَتَرْضى».[٢]
قال ابنحجر- في شرح البخاري-: قصّة إبطاء جبرائيل بسبب وجود جرو كلب تحت سريره صلى الله عليه و آله ولم يشعر به مشهورة. لكن كونها سبب نزول الآية غريب، بل شاذّ مردود.[٣]
قلت: هذه القصّة المزعومة مدنيّة، والسورة مكّية بلاخلاف! غير أنّ الكذوب تخونه ذاكرته!!
[١] - الإتقان، ج ١، ص ٩٦؛ ولباب النقول، ج ١، ص ٢١٤.
[٢] - الضحى ١: ٩٣- ٥. راجع: الإتقان، ج ١، ص ٩٢؛ ولباب النقول، ج ٢، ص ١٣٥- ١٣٦.
[٣] - فتح الباري، ج ٨، ص ٥٤٥.