التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧١ - الوحي الرسالي
إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ».[١]
وظاهرة الوحي بشأن رسالة اللّه هي اولى سِمات الأنبياء، امتازوا بها على سائر الزعماء و المصلحين أصحاب العبقريّات الملهَمين. و لم يكن النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله بدعا من الرسُل في هذا الاختصاص النبوي، ولا أوّل من خاطب الناس باسم الوحي السماوي، و من ثَمَّ فلاعجب في هذا الاصطفاء مادام ركب البشريّة منذ بداية سيرها لم تزل يرافقها رجال إصلاحيّون يهتفون بهذا النداء الروحي، ويدعون إلى اللّه باسم الوحي وتبليغ رسالة اللّه.
«أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ».[٢]
ودفعا لهذا الاستنكار الغريب قال: «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ عِيسى وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هارُونَ وَ سُلَيْمانَ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً. وَ رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً».[٣]
والوحي الرسالي لايعدو مفهومه اللغوي بكثير بعد أن كان إعلاما خفيّا، وهو اتصالٌ غيبيٌّ بين اللّه و رسوله، يتحقّق على أنحاء ثلاثة، كما جاءت في الآية الكريمة: «وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ».[٤]
فالصورة الأُولى: إلقاءٌ في القلب ونفثٌ في الروع. والثانية: تكليمٌ من وراء حجاب،
[١] - العنكبوت ٤٥: ٢٩.
[٢] - يونس ٢: ١٠.
[٣] - النساء ١٦٣: ٤- ١٦٧.
[٤] - الشورى ٥١: ٤٢.