التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٧ - ٣٣ - سورة النجم مكية
قلت: أمّا نزولها ردّا على تلك المزعومة الباطلة فنعم، وأمّا أنّها نزلت بالمدينة فلا! وذلك لأنّ العرب- كما سبق مرارا- كانوا على اتصال دائم بأهل الكتاب، وربّما كانوا يأخذون منهم تعاليم أو معارف ممّا يخصّ خلق السماوات والأرض، فكانت مشهورة بين العرب المشركين، فهذا الردّ- لوصحّ أنّه ردّ- لايدلّ على أنّه نزل بالمدينة! فلعلّ الرواية القائلة بأنّها نزلت في اليهود، إنّما تعني ماذكرنا، أي نزلت في تعاليم كانوا بثّوها بين العرب.
والشاهد على أنّ الآية مكّية: ماجاء تفريعا عليها: «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ...» التي هي من آيات الصفح المكّية، والتي نسخت فيما بعد.
٣٣- سورة النجم: مكّية
استنثي منها قوله: «... هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى».[١]
أخرج الواحدي عن ثابت بن الحرث الأنصاري، قال: كانت اليهود تقول- إذا هلك لهم صبيّ صغير-: صدّيق. فبلغ ذلك رسولاللّه صلى الله عليه و آله فقال: كذبوا، ما من نسمة يخلقها اللّه في بطن امّه إِلّا انّه شقيّ أو سعيد، فأنزل اللّه عند ذلك: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ...».[٢]
قلت: لو صحّت الرواية فلا دلالة فيها على نزول الآية بالمدينة، فلعلّ قولة اليهود- وهم يبثّون تعاليمهم الفاسدة بين العرب- بلغت الرسول صلى الله عليه و آله وهو بمكة، فنزلت الآية بها!
لكن الرواية المذكورة لامساس لها بفحوى الآية رأسا، لأنّ قوله: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ...» تعليل لقوله: «واسِعُ الْمَغْفِرَةِ».
يعني: إنّ هذا الإنسان مفطور على اقتراف مطاليب أرضيّة سافلة وفقا لفطرته البشريّة المتركّبة من نزعات و رغبات، واللّه أعلم بذلك، ومن ثمّ عهد على نفسه الغفران، رحمة بهذا الإنسان ورأفة بموقفه الخاصّ تجاه رغباته ونزعاته.
[١] - النجم ٣٢: ٥٣.
[٢] - لباب النقول، ج ٢، ص ٨٨- ٨٩؛ والدرّ المنثور، ج ٦، ص ١٢٨.