التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٠ - النبوة مقرونة بدلائل نيرة
المعصية. وهذا الوجوب منبعث من مقام حكمته تعالى إذا كان يريد من عباده الانقياد، وإلّا كان نقضا لغرضه من التكليف. ومن ثمّ وجب عليه تعالى أن يبعث الأنبياء وينزل الشرائع ويجعل في الأُمم ما ينير لهم درب الحياة، إمّا إلى سعادة فباختيارهم، أو إلى شقاء فباختيارهم أيضا.[١]
وطبقا لهذه القاعدة لايدع- تعالى- مجالًا لتدليس أهل الزيغ والباطل، إلّا ويفضحهم من فورهم «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ»[٢] فالحقّ دائما يعلو ولايعلى عليه، والحقّ والباطل كلاهما، على وضح الجلاء، لايكدّر وجه الحقّ غبار الباطل أبدا: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ».[٣] «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا».[٤] وهذا إنّما هو نصر واعتلاء مبدئي، فالحقّ دائما ظاهر منصور، وأنّ رسالة الأنبياء دائما تكون هي الغالبة الظافرة، «وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ».[٥] نعم «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً».[٦]
قال الإمام الصادق عليه السلام: «أبى اللّه أن يعرّف باطلا حقّا. أبى اللّه أن يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلا لاشك فيه. وأبى اللّه أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقّا لاشكّ فيه. ولولم يجعل هذا هكذا ما عُرف حقّ من باطل».
وقال: «ليس من باطل يقوم بإزاء الحقّ، إلّا غلب الحقّ الباطل. وذلك قوله تعالى:
«بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ».[٧]
هذا ... وقد سأل زرارة بن أعين، الإمام أبا عبداللّه الصادق عليه السلام عن نفس الموضوع قال: قلت لأبي عبداللّه: كيف لم يخف رسولاللّه صلى الله عليه و آله فيما يأتيه من قبل اللّه أن يكون ممّا
[١] - راجع: شرح تجريد الاعتقاد للعلّامة الحلّي، ص ٣٢٤.
[٢] - الحاقة ٤٤: ٦٩- ٤٦.
[٣] - الأنبياء ١٨: ٢١.
[٤] - غافر ٥١: ٤٠.
[٥] - الصافات ١٧١: ٣٧- ١٧٣.
[٦] - النساء ٧٦: ٤.
[٧] - الأنبياء ١٨: ٢١. راجع: محاسن البرقي، كتاب مصابيح الظلم، ج ٢، ص ٣٥٤، ح ١٥٣.