التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠١ - ٢ - سورة الأنعام مكية
الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ»[١] دعاه النبيّ صلى الله عليه و آله فأملاها عليه. فلمّا انتهى إلى قوله: «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ»[٢] عجب عبداللّه في تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك اللّه أحسن الخالقين.
فقال رسولاللّه صلى الله عليه و آله: هكذا انزلت عليّ، فشك عبداللّه حينئذ، وقال: لئن كان محمد صلى الله عليه و آله صادقا لقد اوحي إليّ كما اوحي إليه. ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال. فارتدّ عن الإسلام، ص ولحق أهل مكة، فجعلوا يقولون له: كيف كنت تكتب لابن أبي كبشة القرآن؟ قال: كنت أكتب كيف شئت. وذلك أنّه كان رسولاللّه صلى الله عليه و آله يملي عليه «عَليما حَكيما» فيكتب «غَفُورا رَحيما» يزيد وينقص ويبدّل في كتاباللّه، ولايشعر به النبيّ صلى الله عليه و آله ومن ثمّ شك في رسالته، وكفر ولحق بقريش. فأهدر النبيّ صلى الله عليه و آله دمه! لكن عثمان أجاره يوم الفتح، وألحّ على رسولاللّه صلى الله عليه و آله حتى عفى عنه.[٣]
وقالوا- أيضا-: إنّ قوله: «أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ» نزل في مسيلمة والأسود العنسي، كانا قد تنبّئا في حياة الرسول صلى الله عليه و آله.[٤]
لكن الحديث مكذوب من أصله. لأنّ سورة «المؤمنون» مكّية، ولم يستثن أحد تلك الآية. فكيف يكتبها ابن أبي سرح بالمدينة ثمّ يرتدّ إلى مكة؟! ثمّ أنّى لبشر أن يتقوّل على اللّه كذبا وينتحله وحيا، وقد ضمن اللّه لكتابه الكريم بالحفظ. ثمّ لايشعر الرسول بدسّ كاذب مفتر على اللّه فيما أنزله اللّه عليه!! وهل تبقى- بعد هذا الاحتمال- ثقة بنصوص الكتاب العزيز، الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه؟!
نعم هناك ثلاث آيات من ثلاث سور، قيل في كلّ واحدة منها: انّها نزلت بشأن ابن أبي سرح. هذه إحداها!
والثانية قوله: تعالى: «وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً».[٥]
[١] - المؤمنون ١٢: ٢٣.
[٢] - المؤمنون ١٤: ٢٣.
[٣] - راجع: مجمع البيان، ج ٤، ص ٣٣٥؛ والدرّ المنثور، ج ٣، ص ٣٠؛ وجامع البيان، ج ٧، ص ١٨١؛ والتفسير الكبير، ج ١٣، ص ٨٤؛ وفي ظلال القرآن، ج ٧، ص ٣٠٦؛ والبرهان للزركشي، ج ١، ص ٢٠٠.
[٤] - نفس المصادر.
[٥] - النحل ١٠٦: ١٦. راجع: جامع البيان، ج ٧، ص ١٨١.