التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٤ - نشأة الخط العربي
يفكّروا في مستقبل الأُمَّة الإسلامية، ويضعوا علاجا لما يحتمل الخلل في قراءة القرآن قبل وقوعه. ولكن أنّى وروح الإهمال والتساهل كان مسيطرا تماما على المسؤولين آنذاك.
هذا .. وقد أغرب ابن الجزري، فزعم أنّ المسؤولين آنذاك تركوا وضع العلائم عن عمد وعن قصد، لحكمة! قال: وذلك ليحتمل الخطّ ما صحّ نقله وثبتت تلاوته عن النبيّ صلى الله عليه و آله إذ كان الاعتماد على الحفظ والسماع لاعلى مجرد الخطّ.[١]
ووافقه الزرقاني على هذا التبرير المفضوح، قال: كانوا يرسمونه بصورة واحدة خالية من النقط والشكل، تحقيقا لهذا الاحتمال.[٢]
لكن لامجال لهذا التبرير بعد أن نعلم أنّ الخطّ عند العرب حينذاك كان بذاته خاليا عن كلّ علامة مائزة. وكان العرب هم في بداءة معرفتهم بالخطّ والكتابة، فلم يكونوا يعرفون من شؤون الإعجام والتشكيل وسائر العلائم شيئا لحدّ ذاك الوقت.
نشأة الخطّ العربيّ
ليس في آثار العرب بالحجاز مايدلّ على معرفتهم بالكتابة، إِلّا قبيل الإسلام.
والسبب في ذلك أنّ العرب كان قد غلب على طباعهم البداوة، فكانوا في ترحال وارتحال أو حروب وغارات، وكانت تصرفهم عن التفكّر في شؤون الصناعات، والكتابة من الصناعات الحضريّة.
لكن بعض العرب ممّن رحلوا إلى الشام والعراق في تجارة أو سفارة، جعلوا يتخلّقون بأخلاق تلكم الأُمم المتحضّرة. فاقتبسوا منهم الكتابة والخطّ على سبيل
[١] - النشر في القراءات العشر، ج ١، ص ٧.
[٢] - مناهل العرفان، ج ١، ص ٢٥٨.