التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤ - ٤ - ألحان وأنغام
مثلًا قوله تعالى: «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ».[١] إنّما يلتئم الكلام سجعا في حالة الوقف على كلّ من «بَصِيرَةٌ» و «مَعاذِيرَهُ» عند النطق والقراءة بياء وراء وهاء في آخرهما. الأمر الذي لا يتحقّق في الثبت والكتابة.
وهكذا قوله: «وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ».[٢] إنّما يلتئم السجع والرويّ لدى القراءة بالوقف على كلٍّ من «بِالسَّاقِ» و «الْمَساقُ».
وقوله: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ. قُطُوفُها دانِيَةٌ».[٣] فإنّ الرويّ فيها إنّما هو على حساب النطق والوقف على السكون.
وقوله: «وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ. وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ».
فإنّ الرويّ فيها إنّما يكون على حساب الوقف على التاء من «هاوِيَةٌ» و «حامِيَةٌ» ليلتئم مع هاء السكت في «ما هِيَهْ». وهذا خاصّ بالتلاوة لا الكتابة.
وقوله: «وَ الْفَجْرِ وَ لَيالٍ عَشْرٍ. وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ. وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ...»[٤] فحذفت الياء من «يسرِ» مراعاة للرويّ حالة النطق بهذا الكلام.
هكذا تليت على النبيّ وتلاها على الناس ويجب الاتّباع أبدا. فحتّى الكتابة هنا تابعت التلاوة، نظرا لأنّها الأصل في القرآن!
٤- ألحان وأنغام
جانب خطير لوحظ في القرآن يتناسب وتلاوته لفظا لا قراءته خطّا. وهو جانب نظامه الصوتي البديع المنتظم على ألحان وأنغام. كان بادئ ذي بدء هو المؤثر المستحوذ على شعور العرب قبل أن يتمكّن في نفوسهم. وقد أمر النبيّ صلى الله عليه و آله أن يقرأ القرآن بألحان العرب وأصواتها تمهيدا لتحقّق هذا الغرض، وليس يتحقّق إلّا في تلاوته جهارا حيث
[١] - القيامة ١٤: ٧٥- ١٥.
[٢] - القيامة ٢٩: ٧٥ و ٣٠.
[٣] - الحاقّة ١٩: ٦٩- ٢٣.
[٤] - الفجر ١: ٨٩- ٤.