التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٨ - ٣ - تهافته مع آي السورة
مبدئيّا بين إشراكهم والدعوة التي قام بها محمد صلى الله عليه و آله والتي قامت على محق الشرك وإخلاص الدين الحنيف. ولاسيّما مع تعقيبها بقوله أيضا: «وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً»[١] أفهل يلتئم هذا الكلام التوحيديّ الخالص مع تلك الاكذوبة: «وإن شفاعتهنّ لترتجى»؟!
وأخيرا فلو صحّت الحكاية لشاعت وذاعت، ولأخذها المشركون مستمسكا في وجه المسلمين طول الدعوة، ولم يصدّقوا النبيّ صلى الله عليه و آله في دعواه النسخ مهما كلّف الأمر. هذا في حين أنّ التاريخ لم يضبط من تلك الاقصوصة المفتعلة سوى حكايتها عن اناس تأخّروا عن ظرفها بزمان بعيد ولم يسجّل التاريخ من يقول: حضرتها! الأمر الذي يجعلنا قاطعين بكذبها. ولعلّها من الإسرائيليّات المفضوحة التي نسجتها أيدي النكاة بالإسلام، في عهد سلطة المظالم على أرجاء البلاد الإسلاميّة، في ظلّ حكومة بني اميَّة أعداء الدين والقرآن، وهذا هو الأرجح في نظرنا. وفي فصول هذا الكتاب الآتية يتّضح موقف هذه الفئة الباغية على الإسلام أكثر.
قال الأُستاذ هيكل: «حديث الغرانيق حديث ظاهر التهافت، ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعد حديث ينقض ما لكلّ نبي من العصمة في تبليغ رسالات ربّه. فمن العجب أن يأخذ به بعض كتّاب السيرة وبعض المفسّرين المسلمين. ولذلك لم يتردّد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال: إنّه من وضع الزنادقة. لكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تبرير أخذهم هذا، فاستندوا إلى قوله تعالى: «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ».[٢] وإلى قوله: «إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ»[٣] ويضيف «سير وليم موير» أنّ مرجع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة بعد ثلاثة أشهر من إقامتهم هناك لدليل قاطع على صحّة هذه القصة.
وهذه الحجج التي يسوقها القائل بصحّة حديث الغرانيق، حجج واهية لاتقوم أمام التمحيص: أمّا رجوع المسلمين فكان سببه اضطراب سياسيّ، عمّ أرجاء الحبشة على أثر
[١] - النجم ٢٦: ٥٣.
[٢] - الإسراء ٧٣: ١٧.
[٣] - الحج ٥٢: ٢٢.