التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٨ - ٢٣ - سورة سبأ مكية
واستثني منها- أيضا- قوله تعالى: «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ (إلى قوله:) وَ رَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ»[١] سبع آيات.
يروى عن فروة بنمسيك: أنّه سأل رسولاللّه صلى الله عليه و آله أو سمع رجلا يسأله صلى الله عليه و آله عن سبأ:
جبل أم أرض، رجل أم امراة؟ فنزلت الآيات، وكان هذا السؤال بعد مرجعه من غزو قبائل سبأ، أرجعه رسولاللّه صلى الله عليه و آله لأنّه لم يؤمر بذلك.[٢]
قال ابنالحصار: وهذا يدلّ على أنّ نزول الآيات كان بالمدينة، لأنّ مهاجرة فروة كانت بعد إِسلام ثقيف سنة تسع من الهجرة.[٣]
لكنّه قال بعد ذلك: ويحتمل أن يكون قوله: «وانزل في سبأ ما انزل» حكاية عمّا تقدّم نزوله قبل الهجرة بمكة، لانزوله حينذاك.
قلت: لوصدقت القصة لابدّ من حمل قوله في ذلك على الحكاية، اذ يبعد جدّا نزول آية أو آيات لمجرّد سؤال رجل كان جوابه صلى الله عليه و آله كافيا لإرضاء حسّ استطلاعه- كما جاء في الرواية- ولم يستدع تفصيلا تعرّضت له الآيات.
على أنّ ملاحظة عبرى بشأن قصة سبأ كما وردت في القرآن تكفي للدلالة على أنّ الهدف منها عامّ كسائر القصص الواردة في القرآن تروم توجيه البشريّة إلى معالم السير الصحيح، تنبيها لها على مواضع الخطأ في حياتها الغابرة لتأخذ منها درسا تسير عليه في حياتها الحاضرة.
والصحيح في قصة فروة بن مسيك: أنّه سأل النبيّ صلى الله عليه و آله عن قصة سبأ بعد أن قرأها في القرآن، فسأله صلى الله عليه و آله عن سبأ أرجل هو أم امراة، أم هو اسم أرض أم جبل؟ فشرح له النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه رجل من العرب كان له من الأولاد كذا وكذا.[٤] وهذا يدلّ على تأخّر السؤال عن نزول الآيات.
[١] - سبأ ١٥: ٣٤- ٢١.
[٢] - مجمع البيان، ج ٨، ص ٣٨٦؛ وجامع البيان، ج ٢٢، ص ٥٣؛ والدرّ المنثور، ج ٥، ص ٢٣١.
[٣] - الإتقان، ج ١، ص ٤٣.
[٤] - مجمع البيان، ج ٨، ص ٣٨٦.