التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٦ - قيمة هذه المعرفة
قيمة هذه المعرفة
لمعرفة شأن النزول دورها الخطير في فهم معاني القرآن الكريم وحلّ معظلات التفسير في كلا مجالي الأُصول والفروع .. إنّها ترفع النقاب عن وجوه كثير من الآيات، نزلت لتعالج مشكلة في وقتها، لكنّها في نفس الوقت ذات وجه عامّ تعالج مشاكل الامّة عبرالحياة .. وربّما كان الوقوف على الحادثة الأُولى والمناسبة الأُولى التي استدعت نزولها، من خير الوسائل لكشف الإبهام عن وجه الآية، إذ فيها الإشارة لامحالة إلى تلك الواقعة بالذات.
قال الواحدي: لايمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصّتها وبيان سبب نزولها. وجعل السيوطي من فوائد معرفة أسباب النزول، الوقوف على المعنى وإزاحة الإشكال عن وجه الآية،[١] الأمر الذي لامحيد عنه بعد أن كانت الآية مرتبطة بالحادث المستدعي للنزول وناظرة إليه.
قال القشيري: بيان سبب النزول طريق قويّ في فهم معاني الكتاب العزيز.[٢] ولذلك شواهد في التنزيل:
قال تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ...».[٣]
فقد أُشكل على بعض المفسّرين هذا التعبير «لا جُناحَ عَلَيْهِ ...» لأنّه لرفع الإثم وليس للإلزام، فالآية تكون دالّة على جواز السعي بين الصفا والمروة لا الوجوب، مع أنّه إجماعي.
لكن إذا ما عرفنا سبب نزولها، لم يبق مجال لهذا الإشكال.
وذلك أنّ مراسيم الحج والاعتمار كانت معهودة منذ العهد الجاهلي غير أنّ العرب
[١] - الإتقان، ج ١، ص ٨٢.
[٢] - البرهان للزركشي، ج ١، ص ٢٢.
[٣] - البقرة ١٥٨: ٢.