التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٨ - قيمة هذه المعرفة
سوى أنّ الآية نزلت فيمن سلفت منه هذه الشنيعة المنكرة ثمّ تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى، فقد عفى اللّه عمّا سلف.
وقال تعالى: «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».[١]
فقد خفي وجه ارتباطها مع صدر الآية: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ». كما خفي المقصود من هذا الاستنكار على صنيع يبدو غريبا!
أمّا إذا راجعنا سبب النزول: «أنّ الحُمس[٢] وهي القبائل الستّ العربيّة كانت إذا أحرمت امتنعت من الدخول إلى الخَباء أو البيوت إِلّا من ظهورها، فينقبون في مؤخّرتها نقبا يدخلون ويخرجون منه». وبذلك يرتفع الإبهام بكلا جانبيه.
وقال تعالى: «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ ...».[٣]
كانت العرب تدين بحرمة الشهور الأربعة امتدادا لملّة إبراهيم عليه السلام. لكنّهم ربّما كان يشقّ عليهم المكث طول ثلاثة أشهر لايغزون، أو ربّما كانت الحرب على ساق فيهلّ أحد الأشهر الحرم، وكان يصعب عليهم ترك القتال. ولذلك كانوا ينسئون ذلك الشهر إلى وقت آخر ليستمرّوا في النهب والغزو وسفك الدماء ..
وهكذا كانوا ينسئون بمراسم الحج لتتوافق مع فصل الربيع كلّ عام، وكان قد وافق الحجّ قبل حجّة الوداع ذاالقعدة، فلمّا حجّ النبيّ صلى الله عليه و آله في القابل، قال في خطبته: «ألا وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض، السنة اثناعشر شهرا منها
[١] - البقرة ١٨٩: ٢
[٢] - الحُمس- بالضمّ فسكون- جمع أحمس وحمساء، بمعنى المتصلّب في دينه ومذهبه، اطلق على ستّ قبائل معروفة: قريش وخزاعة وكنانة وثقيف وجشم وبني عامربن صعصعة. مجمع البيان، ج ٢، ص ٢٨٤.
[٣] - التوبة ٣٧: ٩.