التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٣ - اتجاهات في تعيين المكي والمدني
الثانية: ما نزل بمكّة وحواليها- ولو بعد الهجرة- فهو مكّي، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدنيّ. وما نزل خارج البلدين، بعيدا عنهما فهو لامكّيّ ولامدنيّ، كقوله تعالى: «كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتابِ».[١] قيل: نزلت بالحديبيّة حينما صالح النبيّ صلى الله عليه و آله مشركي قريش فقال رسولاللّه صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام: اكتب: بسماللّه الرّحمان الرّحيم ... فقال سهيل بن عمرو وسائر المشركين: مانعرف الرحمان إِلّا صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة الكذّاب، فنزلت الآية[٢] وهكذا آية الأنفال[٣] نزلت في بدر عندما اختصم المسلمون في تقسيم الغنائم[٤] لامكّية ولامدنيّة، على هذا الاصطلاح.
الثالثة: ماكان خطابا لأهل مكة فهو مكّي، وما كان خطابا لأهل المدينة فهو مدنيّ، وهذا الاصطلاح مأخوذ من كلام ابنمسعود: كلّ شيء نزل فيه يا أيّها الناس فهو بمكة.
وكلّ شيء نزل فيه يا أيّها الّذين آمنوا فهو بالمدينة.[٥] قال الزركشي: لأنّ الغالب على أهل مكة الكفر، والغالب على أهل المدينة الإيمان.[٦]
وهذا الاختلاف في تحديد المكّيّ والمدنيّ أوجب اختلافا في كثير من آيات وسور:
أنّها مكّية أم مدنيّة.[٧] غير أنّ المعتمد من هذه المصطلحات هو الأوّل، وهو المشهور الذي جرى عليه أكثريّة أهل العلم[٨] وكان تحديدنا الآتي في نظم السور حسب ترتيب نزولها معتمدا على هذا الاصطلاح.
نعم، الطرق إلى معرفة مواقع النزول: أنّها كانت بمكة أو بالمدينة أو بغيرهما، قليل جدا، لأنّ الأوائل لم يعيروا هذه الناحية المهمّة اهتماما معتدّا به، سوى ما ذكروه في عرض الكلام استطرادا، وهي استفادة ضئيلة للغاية، ومن ثمّ يجب لمعرفة ذلك ملاحظة
[١] - الرعد ٣٠: ١٣.
[٢] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٢٩٣.
[٣] - الأنفال ١: ٨.
[٤] - راجع: السيرة لابن هشام، ج ٢، ص ٣٢٢.
[٥] - المستدرك على الصحيحين، ج ٣، ص ١٨.
[٦] - البرهان للزركشي، ج ١، ص ١٨٧.
[٧] - كما في آية الأمانات من سورة النساء ٥٨: ٤ زعمها النحاس مكّية لرواية ابنجريج. راجع: مجمع البيان، ج ٣، ص ٦٣.
[٨] - راجع: البرهان للزركشي، ج ١، ص ١٨٧؛ والإتقان: ج ١، ص ٢٣.