التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٢ - ٢ - سورة الأنعام مكية
و الثالثة: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً».[١]
و هذه الأخيرة أنسب وأولى بالقبول، كما روي ذلك عن الإمامين: محمد بنعلي الباقر، وجعفر بنمحمد الصادق عليهماالسلام.[٢]
إذن فالصحيح في الآية الأُولى هو ماقاله أبوجعفر الطبري: هي عامّة، تصف موقف الإنسان عموما تجاه رسالات الأنبياء عليهم السلام: فمن منكر معاند لايصدّق بأي رسالة جاءت من قبل اللّه. وآخر مسترسل ضعيف يؤمن بكلّ دعوى رساليّة، حتى ولو كانت نزغة شيطانيّة من غير تدبّر ولاتفكير صحيح. ومن ثمّ وبّخت الآية هذا النمط من الاسترسال الهابط، وتلك الجرأة الظالمة تجاه ربّ العزّة، فيفترى عليه تعالى ظلما وعدوانا.
ولامساس للآية بقضية ابن أبيسرح بالخصوص.
على أنّ قوله تعالى: «سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ»[٣] لاينطبق مع موقف ابن أبيسرح تجاه رسولاللّه صلى الله عليه و آله. نعم كان ينطبق عليه لو كانت الآية هكذا: «سانزل مثل ما أنزل محمد» ...!
وقد ناقض سيد قطب هنا بشأن الآية، ففي موضع رجّح كون السورة مكّية كلّها، وفي موضع آخر اعتمد على روايات الاستثناء.[٤]
الخامسة قوله تعالى: «أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ».[٥]
وليس في الآية مايدعو إلى الظنّ بأنّها مدنيّة إِلّا ذكر أهل الكتاب فيها. وقد سبق أنّ هذا وحده ليس دليلًا، فقد ورد مثلها في آيات مكّية كثيرا. ويرجع السبب إلى ثقة العرب المشركين بمن جاور بلادهم من أهل الكتاب، فيرونهم أهل علم ودراية، ومن ثمّ قال
[١] - النساء ١٣٧: ٤.
[٢] - تفسير العياشي، ج ١، ص ٢٨١، ح ٢٨٨. وامّا الذي جاء في التفسير المنسوب إلى علي إبراهيم القمي، ج ١، ص ٢١٠ من نزول آية الأنعام ٩٣ بشأن ابن أبيسرح، ففيه من المناكير مايرفض صدوره من المعصوم عليه السلام إذ فيه أنّ رسولاللّه صلى الله عليه و آله كان يُقرّه على تبديله النصّ ويقول له: هو واحد ..!!
[٣] - الأنعام ٩٣: ٦.
[٤] - في ضلال القرآن، ج ٧، ص ١٠٦ و ٣٠٦.
[٥] - الأنعام ١١٤: ٦.