التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - ١٩ - سورة الأعلى
فقضيّة السياق واهية، بعد أن لم تكن كلّية دائميّة.
قال السيّد شبّر: القول بأنّها مكّية يكذّبه النقل الصحيح.[١]
١٨- سورة المطففين
قال اليعقوبي: أوّل سورة نزلت بالمدينة[٢] وقيل: نزلت عليه صلى الله عليه و آله وهو مهاجر في طريقه إلى المدينة.[٣] قال جلالالدين: أخرج النسائي وغيره بسند صحيح عن ابن عباس، قال: لمّا قدم النبيّ صلى الله عليه و آله المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل اللّه هذه السورة فأحسنوا الكيل.[٤]
قلت: هذا يناقض روايات الترتيب المتّفقة على أنّها آخر السور المكّية، كما أنّ لهجة السورة العنيفة لاتتناسب وبدء قدوم نبيّ الرحمة إلى المدينة في أوّل عهده بأهلها المستسلمين له، ولاسيّما مع هذا التكرار في لفظة «كلّا» التي تشي بعناد المخاطب وإنكاره الخبيث ممّا لايلتئم مع جوّ الإيمان السليم الذي أبداه أهل المدينة آنذاك!! وقد سبق كلام الجعبري: كلّ سورة فيها «كلّا» فهي مكّية.[٥]
١٩- سورة الأعلى
قيل: إنّها مدنيّة، استنادا إلى قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى»[٦] إشارة إلى صلاة العيد وزكاة الفطرة.[٧]
قلت: الآية عامّة. والرواية- إن صحّت- جاءت لتطبّق هذا العموم على مصداق من مصاديقه، لاأنّه هو المقصود الذاتي لاغير. ثمّ لوسلّمنا أنّ هاتين الآيتين نزلتا بالمدينة، فلا يدلّ ذلك على أنّ جميع السورة بكاملها مدنيّة.
فالصحيح أنّ السورة مكّية حتى ولو كانت بعض آيها مدنيّة. هذا فضلًا عن شهادة اللّهجة بمكّيتها!
[١] - تفسير شبّر، ص ٥٤٢.
[٢] - تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ٣٥.
[٣] - رسالة الناسخ والمنسوخ، ج ٢، ص ٢٠٢.
[٤] - الإتقان، ج ١، ص ٣٤.
[٥] - نقدّم ذلك في« اتجاهات في تعيين المكّي و المدني».
[٦] - الأعلى ١٤: ٨٧- ١٥.
[٧] - الإتقان، ج ١، ص ٣٤.