التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢١ - نقد الحديث سندا
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا. إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً».[١]
فاشتدّ حزن رسولاللّه صلى الله عليه و آله على هذه البادرة المباغتة، ولم يزل مغموما مهموما، حتى نزلت عليه: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»[٢] وكانت تسلية لقلبه الحزين، فعند ذلك سرى عنه الهمّ وطابت نفسه.[٣]
نقد الحديث سندا
تلك اسطورة الغرانيق، مفتراة على النبيّ الكريم صلى الله عليه و آله وقد أولع المستشرقون والطاعنون في الدين الإسلامي الحنيف، بهذه الأُسطورة المصطنعة وأذاعوها وأثاروا حولها عجاجة من القول البذيء.[٤]
في حين أنّها اكذوبة مفتعلة، صنعتها قرائح القصّاصين، ونسبوها إلى بعض التابعين، ومن الصحابة إلى ابن عباس، ودلائل الكذب والافتراء بادية على محيّاها القذر.
أولا: لم يتصل تسلس سند الحديث إلى صحابي إطلاقا. وإنّما أُسند إلى جماعة من التابعين ومن لم يدرك حياة رسولاللّه صلى الله عليه و آله وعليه فالحديث مرسل غيرموصول السند إلى من شاهد القضية- فرضا-.
وأمّا النسبة إلى ابنعباس فلا تقلّ عن غيرها، بعد أن كانت ولادة ابن عباس في السنة الثالثة قبل الهجرة، فلم يشهد القصة بتاتا، وإنّما نقلت إليه على الفرض.
فالرواية من جميع وجوهها غير موصولة الإسناد إلى شهود القصة لوصحّت الواقعة.
وقواعد فنّ التمحيص في إسناد الروايات تأبى جواز الاحتجاج بمثل هذا الحديث المرسل.
[١] - الإسراء ٧٣: ١٧- ٧٥.
[٢] - الحج ٥٢: ٢٢. وسنتكلّم عن الآيتين في نهاية المقال.
[٣] - جامع البيان، ج ١٧، ص ١٣١- ١٣٤؛ والدرّ المنثور، ج ٤، ص ١٩٤ و ٣٦٦- ٣٦٨؛ وفتح الباري، ج ٨، ص ٣٣٣.
[٤] - انظر: تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان، ص ٣٤.