التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٤ - العبرة بعموم اللفظ لابخصوص المورد
العبرة بعموم اللفظ لابخصوص المورد
هذه قاعدة اصوليّة مطّردة في جميع أحكام الشريعة المقدّسة، فما يصدر من منابع الوحي والرسالة بشأن بيان أحكام اللّه وتكاليفه للعباد، ليس يخصّ موردا دون مورد، ولم يأت الشرع لمعالجة حوادث معاصرة، وإنّما هو شرع للجميع. الأمر الذي دعا بالفقهاء إلى إلغاء الخصوصيات المورديّة والأخذ بإطلاق الحكم، إن لفظيّا أو مقاميّا، حسب المصطلح.
هذا بالنسبة إلى كافّة أحكام الشريعة، سنّة وكتابا، وإن كان في الكتاب آكد. وقد عرفت صريح الروايات بهذا العموم في آيات القرآن. فكلّ ما في القرآن من أحكام وتكاليف واردة في الآيات الكريمة، فإنّما ينظر إليها الفقهاء من الوجه العامّ، ولايأبهون بخصوص المورد إطلاقا.
نعم هناك بعض الخطاباتِ مع فئات معهودة، صدرت على نحو القضيّة الخارجيّة،[١] فإنّها لاتعمّ بلفظها، وإن كانت قد تعمّ بملاكها، إذا كان قد أُحرز يقينا. وفي القرآن منه كثير.
قال تعالى: «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ ...».[٢]
نزلت الآية بشأن المؤمنين بعد منصرفهم من وقعة «احُد» وقد أصابهم القرح الشديد.
وكان أبوسفيان حاول الكرّة وتندّم على انصرافه عن القتال. وبلغ الخبر للمسلمين، وكان الّذي أشاع الخبر هو نعيم بنمسعود الأشجعي، كما في الحديث عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.[٣] وقيل: الركب الذي دسّه أبوسفيان للإرجاف بالمؤمنين. وقيل: هم المنافقون بالمدينة.
[١] - من مصطلح علم الميزان المنطق وهو عبارة عن معهوديّة الموضوع في القضيّة، كقولك: أكرم من في المسجد أو في المدرسة، تريد من هو في مسجد البلد أو مدرسته في الحال الحاضر. وليس في كلّ الأزمان وكلّ المساجد والمدارس على الإطلاق.
[٢] - آل عمران ١٧٢: ٣- ١٧٣.
[٣] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٥٤١.